عيسى الشعيبي

جرائم قتل النساء

تم نشره في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:06 مـساءً

لا أذكر متى كانت آخر مرة كتبت فيها ضد ظاهرة "جريمة الشرف"، ونددت فيها باعتماد هذه التسمية المضللة التي تنطوي على تبرير وتسامح مسبق مع الجناة. غير أنني أتذكر أن تلك المساهمة المتواضعة كانت قبل تأسيس معهد تضامن النساء الأردني "تضامن"، وقبل انفجار ثورة الاتصالات الحديثة.
وقد جاء البيان الصحفي الصادر مؤخراً عن "تضامن" ليبعث في النفس وجعاً قديماً، وكأننا أمام مرض عضال لا شفاء منه، بعد أن تبيّن لنا أن ظاهرة قتل النساء المدانة، والتي تحدث على الشبهة في أغلب الأحيان، ما تزال في ازدياد مطرد، بل إن هناك ما يشبه الطفرة، وفق الأرقام المنشورة في الأسبوعين الماضيين.
فبحسب البيان المشار إليه، وقعت في الأشهر العشرة من العام الحالي 26 جريمة قتل ضد نساء وفتيات، وأن هذا الرقم يزيد بنسبة 53 % عما وقع على مدى العام الماضي كله، الأمر الذي يعني أن هناك تضاعفاً في الأرقام المطلقة والنسبية، إذا ما قورنت بما يوازيها من الأشهر العشرة الأولى من العام السابق. بكلام آخر، فإن هذه الأرقام المفزعة تقول لنا إن النضال النسوي، والأنشطة الاجتماعية، والمساهمات الحقوقية والإعلامية الشاجبة، لم تنجح في وقف أو الحد من تغول هذه الظاهرة المشينة.
ولا يقف هول هذه الظاهرة عند الأرقام الصماء المعلن عنها؛ إذ تكشف التفاصيل عن حقائق مروعة، منها 12 جريمة ارتكبت رمياً بالرصاص، و7 طعناً بالسكين، وبقية الجرائم وقعت إما بالحرق أو الخنق، وبالضرب الشديد المفضي إلى الموت. وهي كلها جرائم تقشعر لها الأبدان، معظمها حدثت بدم بارد لا يصدقه العقل السوي.
ومن المؤلم حقاً أن هذه الجرائم وقعت كلها في داخل الأسرة، أي في قلب النواة الأساسية في المجتمع، وأن مقترفيها هم الأب أو الابن أو الأخ أو الزوج. ومما يزيد الطين المبلول بلّة إضافية، أن بعض الجناة المعروفين بالاسم لدى الأجهزة الشرطية والقانونية، كانوا من أقارب الضحايا من الدرجة الثانية، بمن فيهم أبناء العم.
وقد يختلف علماء الاجتماع وأرباب علم النفس في تفسير تجذر هذه الظاهرة المرفوضة عقلياً وحقوقياً ودينياً؛ بين من يردها إلى الثقافة المتوارثة، جيلاً بعد جيل، في مجتمع محافظ، وبين من ينسبها لتساهل القانون، المنطوي على بنود مخفّفة للجريمة، حتى لا نقول تسويغها في واقع الأمر.
ومع أن هناك من يفسر تنامي هذه الظاهرة بتعقيدات الحياة المعاصرة، وتعاظم المشاكل الاقتصادية، وغير ذلك من الإخفاقات الاجتماعية، إلا أن العلّة الأساسية الكامنة وراء استسهال قيام الذكر بدور الشرطي والقاضي والجلاد معاً، تعود في جوهرها العميق إلى التسامح القانوني مع القتلة أولاً، والتسامح الاجتماعي مع هذه الوقائع الرهيبة ثانياً.
والحق أنني تهيّبت بعض الشيء قبل تناول الموضوع مجدداً، بعد انقطاع طويل، جراء ردود أفعال سلبية مستنكرة أتت في حينه من جانب أفراد وجماعات، اعتبروا أن إدانة هذه الجرائم دفاع عن الانحلال وفساد الأخلاق، إن لم تكن تشجيعاً للفجور وغير ذلك من اتهامات، انهالت عليّ عبر الهاتف الأرضي في زمن ما قبل الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم توقعي المسبق أن التعريض بهذه الظاهرة من حيث المبدأ، وإدانة الجناة، بغض النظر عن دوافعهم غير المقبولة، سوف يفتح أبواباً أوسع وأيسر من ذي قبل، لتأويل أي موقف تضامني مع ضحايا الجهل والتعصب وأخذ القانون باليد، إلا أن احتدام هذه الظاهرة يملي على صاحب العقل الآدمي والضمير الحي، أن يساهم في حملة جديدة ضد استشراء ما هو معيب ومخجل بحق الدولة والمجتمع كله.
ولعل أول ما ينبغي العمل عليه، هو دعوة مجلس النواب الجديد إلى العمل على إلغاء الأعذار القانونية المخففة لمرتكبي هذه الجرائم. وثانياً، تنظيم حملة حقوقية إعلامية، يشارك فيها الرجال أساساً، بمن في ذلك الخطباء المتنورون، والكتّاب والصحفيون، وجمعيات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني، للحد من نمو هذه الظاهرة، إذا لم يكن في الوسع استئصالها في المدى المنظور.

التعليق