استعدادا لمعركة الثقة

دبلوماسية "الولائم" وسيلة الحكومة للتقرب من النواب

تم نشره في السبت 22 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً
  • مجلس النواب

جهاد المنسي

عمان- رغم معرفة الحكومة أن معها، وفق الدستور شهرا كاملا بعد افتتاح أعمال الدورة العادية الأولى لمجلس النواب الثامن عشر، المقرر في الحادي عشر من الشهر المقبل، للتقدم ببيان الحصول على ثقة اعضاء المجلس، إلا أنها لم تضيع وقتا طويلا في طلب الثقة، وبدأت بمد جسور الحوار مع أعضاء المجلس الجديد بعد انتخابه بأيام قليلة.
الحكومة، التي لم تدخل في حوار مع أي من أعضاء مجلس النواب أثناء تكليف رئيسها بمسؤولية تشكيل الحكومة، باعتبار ان المجلس غير مجتمع، وأن كتله لم تكن ظاهرة للعيان، فانها لم تستكن كثيرا، وقررت فورا، بعد تشكيلها، تسمية عدد من افراد الحكومة لمد جسور الحوار مع النواب الجدد.
الحكومة تعرف ان الدستور منح مجلس النواب حق منحها الثقة، ومنحه ايضا حق محاسبتها، اذ تقول المادة 51 من الدستور: "رئيس الوزراء والوزراء مسؤولون أمام مجلس النواب مسؤولية مشتركة عن السياسة العامة للدولة، كما أن كل وزير مسؤول أمام مجلس النواب عن أعمال وزارته".
كما تعرف الحكومة ان حصولها على الثقة هو الطريق، الذي يؤمن لها الاستمرار في الجلوس في الدوار الرابع، وبخلاف ذلك فيتوجب عليها الاستقالة، فهي ما زالت بحكم العرف حكومة مكلفة، وما زال رئيسها رئيسا مكلفا حتى يحصل على ثقة النواب.
المادة 53/1 من الدستور تقول: "تعقد جلسة الثقة بالوزارة أو بأي وزير منها إما بناء على طلب رئيس الوزراء وإما بناء على طلب موقع من عدد لا يقل عن عشرة أعضاء من مجلس النواب"، فيما تقول الفقرة الثانية من المادة عينها انه "يؤجل الاقتراع على الثقة لمرة واحدة لا تتجاوز مدتها عشرة أيام، إذا طلب ذلك الوزير المختص أو هيئة الوزارة، ولا يحل المجلس خلال هذه المدة".
وعالجت الفقرات الثالثة والرابعة والخامسة من ذات المادة حالة الحكومة الحالية، فقالت "يترتب على كل وزارة تتألف أن تتقدم ببيانها الوزاري الى مجلس النواب خلال شهر واحد من تاريخ تأليفها، إذا كان المجلس منعقدا، وأن تطلب الثقة على ذلك البيان (..) إذا كان مجلس النواب غير منعقد يدعى للانعقاد في دورة استثنائية وعلى الوزارة ان تتقدم ببيانها الوزاري وان تطلب الثقة على ذلك البيان خلال شهر من تاريخ تأليفها (...). اذا كان مجلس النواب منحلا فعلى الوزارة ان تتقدم ببيانها الوزاري وان تطلب الثقة على ذلك البيان خلال شهر من تاريخ اجتماع المجلس الجديد"، والفقرة الأخيرة هي التي تنطبق فعلا على حال الحكومة الحالية، التي يتعين عليها التقدم ببيانها الوزاري خلال شهر من افتتاح اعمال الدورة.
الأمر الواضح ان الدستور الاردني في تعديلاته الاخيرة منع الحكومات من الاختباء خلف خطاب العرش، الذي يلقيه جلالة الملك او من ينوبه في افتتاح أعمال كل دورة عادية، وأجبر الدستور الحكومات المشكلة على التقدم ببيان وزاري مستقل عن خطاب العرش.
عمليا، فعلى الحكومة إذا أرادت مواصلة الاقامة في "الرابع" ان تتقدم ببيان وزاري، ومواجهة المجلس النيابي الجديد في عقر بيته "العبدلي"، ولهذا الغرض ينشط الوزيران موسى المعايطة وووجيه عزايزة، بهدف القيام بدور في ترتيب عقد لقاءات وحوارات مع نواب بشكل فردي، او على شكل مجموعات، كما ان الامر لم يعد محصورا بالوزيرين العزايزة والمعايطة، وانما توسع ليشمل وزراء آخرين يريدون تأمين استقرار حكومتهم.
كما ان رئيس الوزراء هاني الملقي ليس ببعيد عن تلك التحركات، فهو ايضا يحضر اجتماعات ولقاءات "غداء وعشاء" كثيرة، تكون محصورة عادة بنواب معينين، وربما يجري ترتيبها بشكل متعمد مسبقا، وربما استطاعت الحكومة ورئيسها الالتقاء باكثر من 100 نائب من اعضاء المجلس الثامن عشر، من خلال تلك الآلية، وربما يرتفع العدد أكثر خلال الأيام المقبلة، وخاصة ان الرئيس الملقي مدعو لأكثر من وليمة أو عشاء بحضور نواب.
الواضح أنه حتى اليوم، فان الحكومة تعتمد تلك الوسيلة لتأمين الحصول على ثقة العدد الواجب من اعضاء مجلس النواب، الذي يكفل لها عبورا آمنا لشط الثقة النيابية، وهي (اي الحكومة) وفق ما يقول وزير نافذ فيها، تؤمن بدور مجلس النواب وتسعى لاقامة حوار بناء مع كافة اعضائه، حوار يقوم على التفاهم والمسؤولية والتعاون بما يخدم المصالح العليا للوطن والمواطن.
من المعلوم أنه كي تعبر الحكومة شط الامان، يتعين عليها الحصول على ثقة 66 نائبا من أصل عدد اعضاء مجلس النواب الـ130، ويعتبر الغائب والممتنع بمثابة حاجب عن الحكومة في هذه الحالة، اذ يتعين عليها ان تؤمن 66 نائبا ينطقون بكلمة ثقة على ميكروفونات القبة عند المناداة عليهم، حيث تقول المادة 53/ 6 من الدستور انه "تحصل الحكومة على الثقة اذا صوتت لصالحها الاغلبية المطلقة من اعضاء مجلس النواب".
ربما وجدت الحكومة ضالتها للتعرف عن النواب الجدد من خلال جلسات الغداء والعشاء، وهي كثيرة هذه الايام، ومن هناك باتت تنطلق لترتيب لقاءات اخرى مع نواب آخرين، وعلى شكل مجموعات مختلفة، اذ لا ضير ان يتم لقاء نواب عمان بشكل منفصل، وكذلك نواب اربد، وهكذا دواليك، طالما الأمر متعلقا بتأمين الحصول على الثقة.
الناظر من بعيد يشعر أن مهمة الحكومة مع استحقاق الثقة ليست سهلة، وخاصة اذا ما تم استعراض الملفات الكبرى الموجودة على طاولة المجلس، والتي ستكون حطب كلمات النواب في جلسات الثقة، فصفقة الغاز والمناهج لوحدهما ملفان ضاعطان، يضاف إليهما ملف الاوضاع الاقتصادية والقروض الخارجية والاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي، والمؤسسات الدولية الاخرى، فضلا عن علاقات الأردن مع اسرائيل في ظل ارتفاع وتيرة الاعتداءات على المسجد الاقصى، وملف الإرهاب والأمن، والإصلاح، كلها ستكون وقود كلمات نيابية وقت الثقة.
وبينما تشي الصورة للمراقب البعيد بصعوبة نيل الحكومة الثقة النيابية، فإن مراقبين مطلعين على كولسات المجلس، يرون بأن الحكومة ستحصل على ثقة مريحة، وربما تتجاوز نسبتها ما حصلت عليها حكومة الدكتور عبد الله النسور. ويلفتون الى ان اللقاءات التي تجري بشكل فردي مع النواب ومن قبل وزراء معينين، تخرج بانطباعات ايجابية، ووعود بمنح الثقة مقابل تمرير هذا الأمر أو ذاك.
ويشير مراقبون إلى أن الحكومة ما تزال تملك وقتا "لتليين" مواقف النواب، وتبريد ملفات ملتهبة، سيما وأن البعض يرى أن الهدف كان من إبعاد افتتاح الدورة العادية كل هذه المدة الطويلة، هو تبريد ملفات ساخنة ومشتعلة، وتأمين فترة تعارف و"تليين" مناسبة أمام الحكومة.
إلى ذلك، يتوقع أن يكون الاسبوع الحالي حاسما لبعض الكتل النيابية، وربما تشهد نهايته ارتفاع عدد الكتل من 3 كتل معلنة إلى ما يقرب من 5-6 كتل.
وحتى اليوم هناك كتلة الاصلاح برئاسة النائب عبد الله العكايلة، والثانية كتلة وطن، التي ترأسها النائب الجديد ابراهيم البدور، والكتلة الثالثة هي التجديد التي ترأسها النائب خير ابو صعيليك، فيما يواصل النائب أحمد الصفدي جهده لاشهار كتلة، كما يعمل النائب خميس عطية، هو الآخر، على اشهار ما يعرف بـ"التيار الديمقراطي" الذي يبدو انه يواجبه عقبات، ويتحرك النائب مجحم الصقور لتشكيل كتلة اخرى.
بطبيعة الحال، فان ذلك سيسهل من عمل الحكومة اثناء انعقاد المجلس، وسيتعين عليها عقد لقاءات من تلك الكتل المشكلة بهدف الوقوف على وجهات نظرها وموقفها من الثقة من عدمه.

التعليق