عيسى الشعيبي

هل ترجل فخامة "السيد فراغ"؟

تم نشره في الاثنين 24 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:06 مـساءً

وسط جملة الحرائق المشتعلة في أذيال العباءة العربية، منذ نحو خمس سنوات وأكثر، ينجح لبنان على حين غرة، في إعادة إملاء نفسه على عناوين الصحف ومقدمات نشرات الأخبار، وذلك عندما انقلبت المواقف، وتبدلت التحالفات والمعادلات على نحو مفاجئ، وانفتحت الدروب أمام إمكانية انتخاب رئيس جديد للبلد، بعد مرور نحو ثلاثين شهراً على ما عرف باسم "الشغور الرئاسي".
ومع أن هذه الواقعة اللبنانية المثيرة لم تكن مصحوبة بالعنف ولا بالمواجهات الدامية، على غرار ما حدث وما يزال يحدث في الجوار، إلا أنها كانت حادة ومثيرة وصادمة، كونها شكلت انعطافة كبيرة في سياق الأزمة الداخلية المستفحلة، وأحدثت كسراً في حلقة الاستعصاء المستحكمة، في البلد الذي تديره طبقة سياسية ماهرة في صنع التوازنات، وتبديل الاصطفافات، ناهيك عن ضبط درجة حرارة الصراعات الداخلية فوق درجة الصفر بقليل.
إذ بحسب جل المؤشرات الصادرة عن مواقع الأخبار اللبنانية، والتصريحات المتطايرة من هنا وهناك، فقد باتت الطريق إلى قصر الرئاسة في بعبدا سالكة بحذر أمام مرشح تحالف قوى الممانعة المسنود من إيران، وأن الأرجحية السياسية والتصويتية راحت -إذا لم تقع مفاجأة في اللحظة الأخيرة- تصب في صالح الجنرال ميشال عون، بعد أن انقلب زعيم تيار المستقبل على نفسه، وأطاح بقواعد اللعبة المحلية المحكومة بشتى الاعتبارات الطائفية، ونعني بذلك ترشيح سعد الحريري لخصمه اللدود، رئيساً للبلاد الواقفة على حافة الانهيار.
وليس من شك في أن أهل بيروت أدرى بشعابها، وأن من غير المفاجئ أن ينقل أمراء الحرب السابقون وقادة المليشيات، وزعماء العائلات السياسية، بنادقهم من كتف إلى كتف. غير أن الانعطافة الشديدة في موقف الحريري الابن، وهو الشخصية المعبرة عن المكون السني الوازن في الانتخابات الرئاسية اللبنانية في العادة، كان صاعقاً لقاعدته الاجتماعية المفتقرة للزعامة التاريخية الوازنة، وربما لرعاته الإقليميين، ولقطاعات أوسع من قادة الرأي العام المحلي، ممن رأوا في هذا الانقلاب السياسي طعنة نجلاء في الظهر.
ووفق ما تفيض به ردود الأفعال الصادرة عن أوساط سياسية داخلية، مليئة بمشاعر الغضب إزاء ما تطلق عليه هذه الأوساط استسلاماً بلا قيد ولا شرط، لسطوة سلاح حزب الله والمحور الإيراني السوري، أو ما كان يسمى نظام الوصاية، فإن من غير المستبعد أن تعيد هذه التسوية البعيدة عن منطق القاعدة اللبنانية المعهودة "لا غالب ولا مغلوب" إنتاج أزمة أكثر تعقيداً مما كانت عليه الأزمة التي تعايشت معها النخب السياسية اللبنانية على مدى سنوات فخامة "السيد فراغ".
ومع أن الأمر لم يحسم بشكل نهائي، وأن المتغيرات المحتملة قد تعيد خلط الأوراق من جديد، والمفاجآت قد تغير التوازن الراهن في اللحظة الخيرة، من اليوم وحتى الموعد المقرر نهاية هذا الشهر، لانتخاب الجنرال ميشال عون، إلا أن مجرد عقد مثل هذه الصفقة السياسية، وبأقل قدر من العنف الكلامي، حتى لا نقول الصراع الحاد، يقدم لنا مثالاً نموذجياً على ما تستبطنه السياسة من مخارج ملائمة لمعظم الأطراف اللبنانية المختلفة المصالح والارتباطات والتحسبات، والمتفقة في الوقت ذاته على عدم الاحتكام لمنطق السلاح الذي اكتووا بناره بالأمس، ودمر بلداً كبيراً في الجوار.
إزاء ذلك كله، فإنه يمكن القول إن الحدث اللبناني يبدو من الخارج حدثاً قابلاً للتناول بأريحية، وباعثاً على التفاؤل بتحفظ، قياساً بغيره من الأحداث الملتهبة في عموم المنطقة. حتى إن المرارات التي قد يستقطرها هذا الانقلاب السياسي في نفوس من غالبهم الحس بالخذلان، إزاء ما يرون أنه تحول دراماتيكي تم فيه رفع الراية البيضاء، تظل خفيفة الظل، محدودة المضاعفات، بالقياس إلى ما تمخضت عنه الاستقطبات الحادة في المحيط العربي، من فوضى وموت ودمار.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مصلحة لبنان فوق الجميع (عبدالفتاح نور)

    الثلاثاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    بيروت ستبقي عنوان مرحلة التعبير والتغير في المنطقة .. مصر تقود تحالف جديد في المنطقة .. العربية السعودية تعيد النظر في موقفها من اليمن وسوريا .. مما جعل الحريري يلتقط الاشارة الهامة والصادرة من العربية السعودية ليعيد النظر في مواقفه .. روسيا غيرت قواعد اللعبة في الشرق الاوسط ...