ضرورة رد الاعتبار للمستشار هشام جنينة

تم نشره في الخميس 27 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة


حسناً فعلت صحيفة "المصري اليوم"، في 23/ 8/ 2016، بإجرائها حديثاً مستفيضاً مع المستشار هشام جنينة، الذي ظل صامتاً لعدة أشهر، بعد أن مزّقت سُمعته وسائل الإعلام الحكومية، وبعد الطريقة المُهينة التي اتُبعت في إقالته من منصبه كرئيس للجهاز المركزي للمحاسبات، في أعقاب تصريح له عن حجم الفساد خلال عدة سنوات في العقد الأخير. أي بما فيها سنوات حُكم المجلس العسكري، ثم حُكم الإخوان المسلمين، والسنة الأولى من رئاسة عبدالفتاح السيسي.
وكان المستشار الجليل قد اختار ألا يتحدث إلى الرأي العام خلال التحقيقات والمُحاكمة، حفاظاً منه على التقاليد القضائية المصرية، والتي لا يمنعها أي قانون، ولكن كان الأكثر تحوطاً، بُحكم خلفيته القانونية المُمتدة.
وأنا لا أعرف هشام جنينة شخصياً. ولكني تعاطفت معه منذ بداية الحملة التي شنّتها السلطة عليه. فقد خبرت، كما عدد آخر من الشخصيات العامة، مثل هذه الحملات التي يُشّنها النظام على مُعارضيه، أو المُختلفين مع مُمارساته. نعم، شن نظام الرئيس الأسبق محمد حُسني مُبارك حملة مُماثلة في إعلامه، الذي لم يكن هناك إعلام غيره. واستمرت تلك الحملة الظالمة ثلاث سنوات (2000-2003)، أثناء حبسي وسجني. ورغم تبرئتي بُحكم تاريخي من محكمة النقض، وهي أعلى محاكم الديار المصرية، فإن ذلك الإعلام لم يُكلف خاطره رد الاعتبار لي ولعشرين من زُملائي من العاملين في مركز ابن خلدون، الذين سبق لتلك الوسائل أن اجتهدت، بل وتنافست في اغتيال شخصياتهم.
لقد كانت قضية الفساد في أجهزة الدولة هي القضية التي بسببها وقع ما وقع للمستشار هشام جنينة. وقد بدأت القضية كما يذكر من تابعوها، بتكليف الرجل، بصفته كان رئيساً للجهاز المركزي للرقابة الإدارية، وبخلفيته القضائية، أن يرأس فريقاً مُتخصصاً لدراسة تكلفة الفساد في أجهزة الدولة المصرية. ولبّى الرجل التكليف الذي كان قد صدر إليه من د. محمد مُرسي، رئيس الجمهورية الأسبق.
وبعد سنتين تقريباً، انتهى هشام جنينة وفريق الدراسة إلى أن تكلفة الفساد في الأعوام الخمسة التي شملتها الدراسة (2010-2015) قد بلغت ستمائة مليار جنيه. وكان إعلان ذلك الرقم صادماً للرأي العام، وأكثر من ذلك لما يُسمى في مصر بالوزارات والجهات السيادية؛ أي رئاسة الجمهورية وأجهزة الأمن ورئاسة الوزراء، ووزارات الداخلية والخارجية والدفاع، والرقابة الإدارية، والمركزي للمُحاسبات، والمركزي للتعبئة والإحصاء.
والغريب أن الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه اعترف في أكثر من مُناسبة عامة بوجود فساد في أجهزة الدولة، ودعا الرجل لمُحاصرة ذلك الفساد، أو الإبلاغ عنه للنيابة العامة أو أحد الأجهزة الرقابية. بل إن للرئيس السيسي نفسه تصريحا مشهورا عن اهتراء المؤسسات العامة، والتي بسببها وصف مصر بأنها شبه دولة.
وعودة إلى موضوعنا، هشام جنينة، فإن هناك احتمالا أن تكون قد حامت حول ذلك المستشار الجليل أنه ذو ميول "إخوانية"، وهي الشُبهة التي أصبحت بمثابة "فزّاعة"، شأنها شأن شُبهة العمالة للخارج، حتى لو لم يكن هناك ما يؤكد تلك الشُبهة. وربما كان تعيين الرئيس الإخواني لهشام جنينة رئيساً للجهاز المركزي للمُحاسبات، هو ما جعل السلطة تأخذ بالأحوط، لا فقط بعزل الرجل من منصبه الذي يتمتع بحصانة دستورية، ولكن أيضاً بتشويه صورته. فالأعراف السياسية المصرية، هو أنه في حالة الخلاف بين من هم في السُلطة، يقوم الرئيس بإقالة المُختلف أو المُختلفين من دون ضجيج أو إسفاف. وهو ما لم يحدث مع المستشار هشام جنينة.
ثم إن الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه، كان قد جرى تعيينه بنفس الطريقة، حيث قام الرئيس الأسبق محمد مُرسي بترقيته إلى رُتبة فريق. ووقتها حامت أيضاً شُبهات مُماثلة، غذتها حقيقة أن السيسي نشأ في حي الجمالية قُرب الأزهر الشريف، وأنه شغل موقع مستشار عسكري في سفارة مصر بالمملكة العربية السعودية، وأن السيدة حرمه مُحجبة.
إنني أدرك أن ثقافة السياسة المصرية لا تعرف تقليد الاعتراف بالخطأ. كما لا تغرس في أبنائها فضيلة الاعتذار عن الخطأ. كم منا يذكر أن شخصية عامة اعترفت بخطأ؟ ومن منا يعرف مسؤولاً اعتذر عن ذلك الخطأ؟
ربما كان أقرب شيء أو أقرب سابقة في هذا الصدد، هو اعتراف الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بمسؤوليته عن هزيمة مصر المروّعة في مواجهة إسرائيل في حزيران (يونيو) 1967. وكان اعتذاره الضمني هو تقديم استقالته من منصبه كرئيس للجمهورية. وهي الاستقالة التي رفضتها جماهير الشعب، وقتها، رغم الجرح الغائر الذي أحسّ به الشعب نتيجة تلك الهزيمة.
إن المستشار هشام جنينة كان ضحية أسوأ ما في الثقافة السياسية المصرية من ثقافة العار. وقد آن الأوان ونحن نبني مجتمعاً جديداً، أن نستحدث فيه ثقافة الاعتذار، ورد الاعتبار لذلك المستشار الجليل.
لقد سبق لهذا الكاتب، الذي عارض الرئيس الراحل أنور السادات، في حياته أن لا يتردد، بعد عشر سنوات من رحيله، أن يُعيد تقييم ذلك الزعيم، ويرد له الاعتبار في كتاب حمل عنوان: "رد الاعتبار للرئيس أنور السادات" (دار الشروق، 1993) فلنفعل نفس الشيء للمستشار هشام جنينة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعليق (اد كمال غرايبة)

    الخميس 27 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    د سعد فقط اردت ان اعلق على خطا تاريخي بمقالتك السابقة حيث ان اسطورة حصان طروادة كانت عندما ترك الاغريق الحصان الخشبي خارج طروادة وليس العكس واوهموا الطرواديين انهم رحلوا ثم ادخل الطواديين الحصان وبه مقاتلين اغريق وتم فتح طروادة بعد ذلك كما تقول الاسطورة