علاء الدين أبو زينة

شيء عن "المنطق"..!

تم نشره في الخميس 27 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:08 صباحاً

سوف يزعم كلُّ واحدٍ منا معرفته المطلقة بالمنطق كمُعطى قبْلي، وسوف يُصدر الأحكام بصواب الأشياء أو خطئها جزافاً، فيقول للآخر بمنتهى الغطرسة: "كلامك ليسَ فيه جنسُ المنطق"! أو يقول عن مجتزأ من كلام شخص يروق لأهوائه: "والله كلامه منطقي تماماً"! وهكذا، يعني اعتقاد الأفراد بأن المنطق شيءٌ حاضرٌ فيهم غريزياً، وأن حفريات أرسطو ومَن عاصره وتلاه في المنطق الفلسفي والمنطق الرياضي، كلها كانت سفسطة وفائضة عن الحاجة. وفي الوقت نفسه، سيجيب معظمنا غالباً إذا سُئل "ماذا تعرف عن المنطق"، بشيء يشبه ما أجاب به سعيد صالح في "مدرسة المشاغبين".
سيعتقد المرء أنه سيد المنطق -إلا إذا صادف وعرف عن "المنطق" كعلم ومنهج. ربما سيدرك عندئذٍ ما يقصده المطالِبون بتدريس المنطق في المدارس كمساق أساسي، لتكوين ملَكة إصدار الأحكام بصواب الأشياء وخطئها بطريقة علمية وليس انطباعية. ولتقريب فكرة المنطق العِلمي بشكل بسيط فقط، سأروي، باختصار، حكاية أول التعرف إلى مبادئ المنطق في مساقات الفلسفة.
في المحاضرة الأولى من مبحث المنطق، كما أذكر، كتب الأستاذ: "إذا كانت السماءُ حمراء، فللرجل ثلاثة رؤوس". وكان الانطباع الأول أن هذه العبارة "تخبيصٌ محض" وليس فيها جنس المنطق. لكن الأمور سرعان ما تكشفت عن شيء مغاير:
حوّلنا العبارة المذكورة المكونة من مقدمة ونتيجة إلى رموز رياضية: جملة الشرط "إذا كانت السماء حمراء" هي (أ)؛ وجواب الشرط "فللرجل ثلاثة رؤوس" هي (ب). وستكون المعادلة: "إذا (أ)/ إذن (ب)"؛ بمعنى: إذا تحقق الشرط الأول (أ)، ستتحقق النتيجة (ب). لكن السماء في العالم الطبيعي ليست حمراء، وإنما زرقاء غالباً (أو بيضاء). ويعني هذا أن المقدمة غير صحيحة، وبالتالي لن تتحقق النتيجة.
بمعنى أننا عندما نضيف النفي إلى المقدمة، ونضيفه أيضاً إلى النتيجة، مثلما نفعل مع طرفي أي معادلة رياضية، فستصبح المعادلة: "ليس (أ)/ إذن ليس (ب)"؛ بمعنى: "إذا كانت السماء ليست حمراء، فليس للرجل ثلاثة رؤوس"، وهو -بوضوح- شيء منطقي وصحيح تماماً، وليس "تخبيصاً" كما حكَم الانطباع الأول.
بطبيعة الحال، سوف يتطور تعقيد العبارات والمعادلات المنطقية، فتضم ثلاث عبارات، وأربعا، ثم فقرات وأطروحات كاملة. وسيتعلم دارس المنطق كيف يرتب الكلام في معادلات، وكيف يحل هذه المعادلات ليحكم بدقة على "منطقية" الأطروحة. وبالتمرين والاعتياد، سوف تصبح عملية محاكمة الأطروحات منطقياً سهلة نسبياً، بحيث تقترب آلية الحكم من تقدير صحة عبارة مثل: "واحد + خمسة لا تساوي تسعة"، وهكذا.
هذه المنهجية في تشغيل المنطق، هي التي تستطيع أن تحكم على مقال كامل مثلاً، أو على حديث متحدث، بأنه متساوق منطقياً -نتائجه تترتب فعلاً على مقدماته- أم أنه غير متساوق. وهي نفسها التي تقود عمل الناقد في أي مجال. وهي التي ينبغي أن ترشد اختيارنا لما نعتنق وما نلفظ من أفكار واقتراحات، على أساس صحة منطقها أو تهافته. ولهذه الأسباب بالذات، سوف يرفض أصحاب الأفكار التي سيحكُم القياس المنطقي ببطلانها حتماً تدريس المنطق، وسوف يصفونه بأنه هرطقة، لمجرد قدرته على تفكيك ما يبيعونه.
لذلك، ترفض كل المنظومات السكونية والاستبدادية تدريس الفلسفة وصناعة عقل قادر على القياس المنطقي، لأنه سيُسقط هذه المنظومات ومقولاتها التي لن تصمد أمام أبسط أشكال التحليل العقلي المنهجي. وفي الحقيقة، لا يمكن أن يكون المنطق، بوصفه معادلات رياضية شبيهة بجمع وطرح الأعداد، هرطقة أو تمرُّداً على الحس السليم، ولا أن يقود إلى الانحلال -إلا في أذهان أعداء المنطق أو الجاهلين بماهيته.
بالوسع تصور بؤس العقل الاجتماعي السائد الذي يحكم جزافاً دائماً: "هذا ليس فيه جنس المنطق" أو "هذا منطقي تماماً" اعتماداً على الانطباعات ومن دون الاضطرار إلى تفسير منطق إطلاق الأحكام. وبالوسع تصور فداحة الظُلم الذي يقع على الناس لدى حرمانهم فرصة تعلُّم إسناد اختياراتهم إلى أسس تعينهم على تقدير صواب وخطأ الأشياء. كما يمكن تصور رداءة ما يعنيه انشغال مشروع تغيير وطني بتغيير كلمات في المناهج، والالتهاء عن مخاطبة جواهر الأشياء، وما تعنيه مقدمات كهذه لاحتمالات النتائج.

التعليق