جاهات الخطوبة.. والوظائف الجديدة

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:06 صباحاً

الخطوبة حدث مهم على قائمة أحلام الشبان والشابات في معظم الثقافات الإنسانية، وفي المجتمعات العربية بشكل خاص. فهي أولى الخطوات التي يتخذها الشباب باتجاه سعيهم لبناء الأسرة التي يحلمون بها.
ولعقود طويلة، كانت الجاهة التي تؤلفها أسرة الخاطب من وجهاء المجتمع المحلي، لغايات التوفيق بين عائلة الخاطب وعائلة المخطوبة، بحيث يكلف أعضاء الجاهة أحدهم، ممن عرف بالفصاحة والبلاغة وعلو المكانة والشأن، بطلب يد الخطيبة، مستندا لأدبيات العقيدة والتقاليد، ومعرفته بشخص الخاطب وأسرته وخصالهم ومزاياهم. في المقابل، يتولى أحد رجالات العائلة المستقبلة الرد على الطلب الذي غالبا ما يكون بالقبول، بعد استعراض المهر وتفصيلاته، ليتوافق مع إمكانات الخاطب.
بعدها تقرأ الفاتحة أو تجري المباركة، وتستكمل إجراءات الضيافة التي تراجعت لتصبح في حدود الحلويات والشوكلاته والمشروبات الغازية والعصائر، بعد أن كانت ولائم كبرى بكلف تقارب ما يجري إنفاقه على الزفاف.
الحديث المتداول في مناسبات طلب يد الفتاة للخطيب المحتمل، لم يكن يتجاوز فضائل الزواج وقدسية العلاقة وخصائل وشيم العائلتين وشهادة الجاهة بأخلاق الخاطب، والإعلان الضمني من قبل الجاهة بكل مكوناتها عن مباركتها لهذه العلاقة، والاستعداد لدعم المصاهرة والتدخل لحل أي خلافات إذا ما حصلت لا قدر الله. لكن منذ عقدين أو أكثر، تبدلت مراسيم ومعنى الجاهة، كما اختفت الوظائف الأصلية لها، لتصبح مناسبة اجتماعية ذات لون وصبغة لا يرتبطان كثيرا بالحدث ولا يعبران عنه. ففي أغلب الأحيان، تتشكل الجاهة هذه الأيام من أشخاص، لا بل شخصيات لا تعرف الخاطب ولا المخطوبة، ويجري تزويدهم بورقة تحمل اسم الشاب والفتاة.
الوجهاء الذين تتشكل منهم الجاهات الجديدة يأتون إلى المكان المحدد، حيث يلتقون بأشخاص لا يعرفونهم أو يعرفون عنهم، ويتبادل الجميع المصافحة أو القبلات عند الالتقاء، قبل أن يستمعوا لخطابين لو تمت قراءة أي منهما خارج مكان الخطبة من دون ذكر المناسبة، لحسبتهما مقتطفات من فصل في مساق التربية الوطنبة. فبعض من تقاعدوا من العمل السياسي، يعتقد أنه يلقي خطابا في مناسبة وطنية؛ فيتحدث عن سيرة العائلة، ويقدم شهادة بمستوى الانتماء والتفاني، أكثر من حديثه عن الزواج وقدسيته، وما ينبغي على الخطيبين التحلي به لبناء علاقة مصاهرة صحية وعلاقة أسرية مقدسة، تثري وتعمق النسيج الاجتماعي.
الخطبة هذه الأيام أصبحت مناسبات لتلاقي المعارف والأصدقاء في فضاءات حيادية، ليطالعوا وجوه بعضهم أكثر من أن يشكلوا إطارا داعما للعلاقة الناشئة. فهم لا يعرفون الخطيبين. وفي إحدى المرات، قال أحد رؤساء الجاهات إن الشاب الذي ترأس جاهة خطبته، جاد وصادق ومخلص وخلوق يقدس الحياة الأسرية، ليكتشف بعد انتهاء مراسم الجاهة أنها المرة الثالثة التي يدخل فيها الشاب قفص الزوجية، بعد أن طلق مرتين قبل أن يبلغ الثلاثين من عمره.
هذه الأيام، الجاهات التي يتم تشكيلها أصبحت بعيدة كل البعد عن المعاني والوظائف التي وجدت من أجلها أصلاً، فأصبحت تؤدي وظائف أخرى، أقلها توفيق وتوثيق وإشهار رغبة شاب وفتاة في الارتباط.
في معظم الأحيان، تذهب الجاهة هذه الأيام لطلب يد فتاة بعد أن يكون الخطيبان قد اتفقا على كل شيء، وأتما "كتب الكتاب"، وربما حددا موعد الزفاف، فيصبح الكلام لا معنى له.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثقافة المجتمع (شادي)

    الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    لماذا الجاهات اصلا ؟
    انها عقدة نقص بالمختصر جذورها قبليه صرفه .
  • »ليتهم يقرؤون ويتراجعون (رجائي الجاعوني)

    الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    نعم هذا ما نراه الان ؛ خطابات وبلاغة وسوق عكاظ في جاهات الخطوبة ، بل استعراض تاريخ ومبالغات في شيم العائلتين ، ثم كنافة وعصير على طبق من الشوفونية ! شكرا دكتور .
  • »الجاهات (جليل خليفه)

    الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    اصبح للوزراء ورؤساء الوزارات المتقاعدين والنواب وقيادات الجيوش وظائف ،
    والله اننا في انحدار،
    تأتي الجاهه الكريمه لطلب الفتاه بعد عقد القران، ، وهذا يذكرني بفلم لفاتن حمامه تقول فيها ابنتها ان زوجها ( زواج عرفي) وعد يجي يخطبني، كان جواب الام: راح يخطبك بعد ما تزوجك؟
    المهم، هذه ليست مصاهره، هذه مظاهر مقرفه