محمد برهومة

أصدقاء أميركا

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:04 صباحاً

تبعات التحول في التقدير الاستراتيجي الأميركي لقضايا الأمن والدفاع والسياسة الخارجية، لا تتعلق بشركائها الخليجيين فقط. فقبل أيام، كتب المعلّق الإسرائيلي في صحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل، أنه منذ تدمير الصواريخ السورية المضادة للطائرات في العام 1982، بقي سلاح الجو الإسرائيلي يحظى بالتفوق الجوي المطلق في المنطقة، وكذلك حرية العمل المطلقة في الساحة الشمالية، لكن هذه القصة انتهت في اللحظة التي قررت فيها موسكو تعزيز دفاعاتها الجوية في طرطوس؛ حيث قيّد الروس، من دون جهد تقريباً، سلاح الجو الأقوى في الشرق الاوسط. وهذا التقييد، وفق هارئيل، ليس عسكرياً فقط، بل سياسي أيضاً؛ فإسرائيل وروسيا أقامتا أجهزة تنسيق مشتركة من أجل عدم حصول صدام جوي بينهما، ومذاك التقى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أربع مرات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث كانت النية المعلنة هي منع الصدام في سماء سورية. وبهذا، يضيف هارئيل، تبنى نتنياهو من دون وجود خيار آخر، "الحُبّ الروسي".
وفي الأيام الماضية، أعلن الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتي في بكين "انفصاله" عن الولايات المتحدة، الحليف التقليدي لبلاده، معتبراً أنها "خسرت عسكرياً واقتصادياً". وبعد مراجعة لتصريحاته هذه، قال دوتيرتي إنه لا يقطع العلاقات مع أميركا، لكنه يريد "فصل" السياسة الخارجية لمانيلا عن واشنطن، مؤكداً أمام قادة صينيين: "أعدتُ ترتيب نفسي في (اتجاه) تياركم الفكري، وقد أذهب أيضاً إلى روسيا لإجراء محادثات مع بوتين، وإبلاغه أن هناك ثلاثة ضد العالم -الصين والفلبين وروسيا. إنها الطريقة الوحيدة".
هذه المعطيات وغيرها تؤكد أنّ تردد أميركا وسياستها "الانكفائية" يدفعان حلفاءها وشركاءها الاستراتيجيين نحو خصومها. هذا يصحّ، بدرجة أو بأخرى، على اليابان التي باتت ترى في مقولة "أميركا أولاً" إضعافاً لطوكيو أمام الصين وروسيا؛ من خلال تصاعد هواجس اليابان من أنّ اتّكاءها على "الردع الأميركي" لخصومها قد لا يضمن مصالحها، فراحت تمدّ خطوط الوصل مع خصميها، وتجد مشتركاً مع موسكو في مواجهة الصعود الصيني في آسيا، وتجد مع بكين مشتركاً في مساعيهما لضمان إمدادات آمنة للطاقة الآتية من الشرق الأوسط وعبر مضيق هرمز.
ولا يغيب في سياقٍ كهذا توتر العلاقة بين الحليفين الأميركي والتركي. وقد قصفت طائرات تركية مقاتلين أكراداً مدعومين من أميركا شمال سورية بعشرات الضربات الجوية، وحذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أن بلاده قد تتصرف بشكل منفرد للقضاء على أعدائها في الخارج. وهي نتيجة خلص إليها الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبداللطيف الزياني، بتأكيده أن "الأولويات المتغيرة المحتملة لحلفاء دول مجلس التعاون الدوليين التقليديين دفعت ببعض دول المنطقة إلى التفكير بالمستقبل بصورة مستقلة مع التركيز على أهداف متجددة، والاستعداد إن اقتضى الأمر للتحرك بشكل أحادي". وليس بلا دلالة أن يعلن الكرملين أن بوتين وأردوغان ناقشا خلال لقائهما في إسطنبول منتصف هذا الشهر، تعاون موسكو وأنقرة في "التسليح والتصنيع العسكري"، وأنهما "تطرّقا إلى منظومات صاروخية للدفاع الجوي". وما الضوء الأخضر الروسي لتركيا في شمال سورية إلا رسالة من موسكو بأن من مصلحة تركيا، في ظل الانكفاء الأميركي، أن تؤسس لشراكة استراتيجية مع الجانب الروسي في الملفات الإقليمية وفي خطوط الطاقة، حتى لو اعتراها النقصان.
الصحيح أنّ أميركا ما تزال الأقوى والأكثر نفوذاً، وهي تحظى بالرقم واحد لدى شراكات أصدقائها وحلفائها حتى لو لم "تحتكرهم". لكن يبقى السؤال الأكثر غموضاً: هل هي لحظة أميركية مؤقتة، أم أنها تحولات استراتيجية ستتعزز مع الإدارة المقبلة، سواء جاءت هيلاري أم ترامب؟

التعليق