محمد أبو رمان

قواعد الحصار الأربعون!

تم نشره في الاثنين 31 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 01:10 صباحاً

"قواعد الحصار الأربعون" هو عنوان يوميات للناشط الفلسطيني في مجال حقوق الإنسان، عبدالله الخطيب، قام بخطّه على منوال عنوان "قواعد العشق الأربعون"؛ الرواية ذائعة الصيت للأديبة التركية آليف شافاك، لعله يلفت انتباه العالم للمخيم المنسي في أحشاء العاصمة دمشق، أي مخيم اليرموك!
الخطيب عمل على توثيق يوميات الحصار والقتل والجوع، والكارثة التي يتعرّض لها الفلسطينيون هناك. وقد منحه منتدى التاريخ الحيّ في السويد، بداية شهر تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، جائزته السنوية لدوره في لفت انتباه العالم إلى تلك المأساة، ولدوره الإنساني في المخيم!
وقد أحصى عبدالله ورفاقه 170 حالة وفاة من الجوع، وتعرّض لمحاولة قتل من مجهولين، لاحقاً أعلن "داعش" مسؤوليته عنها.
لم أكن على اطلاع على سيرة الخطيب ولا جهوده، قبل أن يلفت انتباهي إليه الصديق صلاح ملكاوي، عبر نشره رسالة مذهلة بعث بها الخطيب إلى المنتدى في السويد، معتذراً عن عدم القدرة على الحضور. وهي رسالة -كما وصفها ملكاوي- ربما تكون من أجمل ما كُتب عن الثورة وأجزله؛ ففيها ترسيم بارع لمعنى الحصار والمعاناة والقتل والتعذيب، ولحكايات الإنسان المقهور والمعذب والمحاصر في تلك المناطق، الإنسان الذي لا يتذكره ولا يفكّر فيه أحد!
مما يقوله في تلك الرسالة: "سأخبركم شيئاً عن الحرب التي لم تعرفوها منذ مئتي سنة. كنت أمشي في شوارع المخيم صباحاً في يوم من أيام الحصار الطويلة. شاهدت طفلاً لا يتجاوز عمره التاسعة. من الغريب أن ترى الأطفال يمشون في الشوارع وحدهم في هذه الساعة من الصباح الباكر. كان منحنياً على الأرض يبحث عن شيء ما. اقتربت منه أكثر، وحين وصلت إليه تماماً قبض راحة يده التي لا يتجاوز حجمها حبة جوز على ما بداخلها. سألته: ماذا تخفي؟ لم يجبني فوراً، في الحقيقة لم يجبني أبداً، اكتفى فقط بفتح راحة يده. ورغم دموعي التي انهمرت وقتها، لكني استطعت تمييز تسعة حبات من الرز هي التي استطاع جمعها بعد تعب. نعم أيّها السادة، هذا الطفل كان يجمع طعامه، كانت وجبات الطعام في المخيم المحاصر تحصى بعدد حبات الرز.
"هل تعرفون ما اسم هذا الطفل؟ بالمناسبة لا يهم، حتّى أنا لا أعرف. في الحصار خسرنا أسماءنا التي اكتسبناها في الطفولة كما أخبرتكم قبلاً، وأصبح لنا جميعاً اسم واحد "كائن تحت الحصار"".
الرسالة نصّ أدبي إنساني رفيع، ينقل لنا شيئاً من المعاناة التي تعيش في جوارنا، لآلاف الأطفال تحت الحصار والقصف والموت والجوع، من دون أن يتحرّك أحد لإنقاذهم.
وفي تعليق آخر على يوميات الحصار، يكتب الخطيب عن رفاقه الذين سقطوا، فيقول إنه بكى ثلاثة أيام على الأول، ويومين على الثاني، وحين سقط الثالث بكاه يوما واحدا ثم بدأ يضحك من سخرية الأقدار، وبدأ يتعاطى مع الموت في محاولة لتجريده من تراجيديته، فالكل سيموت، وإن كان الترتيب الزمني سيختلف.
كنتُ أفكّر وأنا أقرأ نصوص عبدالله؛ ماذا لو كانت لدينا نصوص شبيهة ليوميات طفل في مخيم الركبان أو الحدلات، أو يوميات فتاة في حلب الشرقية، أو عائلة مسيحية تحت حكم "داعش" في الموصل، أو خواطر سُنّي مدني بين يدي "الحشد الشعبي" في الفلوجة أو الرقة... إلخ.
صوت الخطيب وصل إلى السويد، لكن لماذا لم يصل إلينا ونحن في جواره ومن لحمه ودمه، كما هي حال أصوات ملايين المعذّبين التي أصبحنا لا نسمعها ولا نكترث بها؟!

التعليق