حنان كامل الشيخ

طائرة زهرية في سماء الشهداء

تم نشره في الثلاثاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

تتبختر طائرة وردية مشرقة فوق أراض محتلة، ينبت بين حشائشها الخضر أقحوان خجول وضحكات طفلات جميلة. تحوم الطائرة الوردية في سماء وطن، لطالما احتضنت دعوات الأمهات الثكالى وهن يودعنهن من تحت، بأكفهن الملوحة لوجوه مرسومة بين السحاب، تبتسم براحة أبدية.
نصف القمر المختبئ خلف غيمة، يفتح عينيه محدقا بقشرة زهرية كاذبة، ستتفسخ حقدا وغلا بعد رحلتها غير الاستطلاعية تلك.
ما الجدوى من الحركة السمجة التي قامت بها القوات المحتلة، في يوم مكافحة سرطان الثدي، حين قررت أن ترسل بطيارة ملونة بالوردي فوق رؤس محدقة باندهاش؛ حيث لا لغة تكافح بها الموت، إلا الموت؟! أو ليست تلك الطائرة الحديثة الجميلة من ذات الأسطول الجوي إياه ؟ أم أن لاعتبارات اللون تقديرات خاصة، علينا أن نأخذها بعين الاحترام؟
لماذا لم تحترم الطيارة نفسها حين قررت أن تقلع في سماء، لا تزال أرواح فتيات وشباب تحوم فيها، بعد أن قررت زميلتها البرية أنهم ربما يزمعون على طعن جنود، أو هكذا شبه لها، فقررت أن تقتلهم من باب الاحتياط؟!
فعلا، كل إناء بما فيه ينضح، ولن يخرج تفكير المحتل من صندوق الذخائر، حتى لو كان ينوي المشاركة في حفلة!
نساء غزة المحاصرات منذ سنوات طويلة جدا، ليست أكبر معاناتهن سرطان الثدي ولله الحمد. فنسب الإصابة هناك بين السيدات تعتبر معقولة نسبيا، حسب إحصاءات منظمة الصحة العربية. وليس من الذكاء أو الالتقاط الارتباطي بالموقف، أن نذكر بهن في موقف تحليق الطيارة الوردية، بقدر أن فنتازيا المشهد فرضت نفسهت بقوة في مقدمة الأخبار العربية والغربية، هذه الأخيرة التي تعاملت معه من باب الطرفة والاستغراب هي الأخرى.
يبدو فعلا أن رصيد الدولة الصهيونية إعلاميا، والذي كانت تعتمد عليه لعقود طويلة، قد بدأ بالتراجع بعد أن كشفت وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، حقيقة الموقف والصورة والخبر بما لا يدع مجالا لآلة الإعلام الصهيونية والغربية المتعاونة معها، لتنافسها جديا بشيء يماثل الحقيقة. هذه القوة الناعمة الموزعة بذكاء غير مقصود ربما، في مواقع التواصل الاجتماعي، فعلت ما لم تفعله أدوات الحرب النفسية العربية التي لا تزال تشير للدولة الصهيونية بكلمة “العدو”، في بياناتها ودعاياتها الطفولية !
 الفلسطيني بقصص مقاومته ونجاحه ومعاناته وفرحه وألمه، صار قيد الوجود غير المشوه، بفضل الآلة الإعلامية التواصلية العربية الشغالة والمشغولة، بإعادة الاعتبار للقضية حتى لو كان الأداء لا يتجاوز كبس زر الإعجاب، أو إعادة المادة على الصفحات، فقط لأنها تخص الشأن الفلسطيني، من باب أضعف الإيمان.
ما لا يدركه كثيرون من أولئك الطيبين، أن تأثير قوتهم الناعمة قد آتى أُكله في كثير من المواقف التي تخص القضية الفلسطينية، والوضع في الداخل، خصوصا فيما يتعلق بأمور الحقوق الإنسانية والحريات والحفاظ على المكتسبات الثقافية والدينية، كما حصل مؤخرا بخصوص قرار اليونسكو باعتبار أن الأقصى تراث إسلامي خالص مع نفي وجود أي ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق، وأن الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح هما لفلسطين. طبعا جاء هذا الانتصار الجميل بجهود أشخاص ومنظمات وجمعيات عملت حثيثا في كواليس المجلس التنفيذي في منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، إنما الدعم السري لجنود مواقع التواصل لم يكن بسيطا أيضا.
لذلك لم يكن مستغربا حجم السخرية والاستهزاء، من حركة طائرة الزهور الباردة التي فكرت فيها عقلية القتل والحصار والاستيطان، في ظل هذا الوجود الطاغي لعقلية بدأت تفكر بسلاح الإعلام التواصلي، كجبهة حرب منظمة وفاعلة ومؤثرة. فليتسلَ السياسيون كما شاؤوا في الردهات الطويلة الضيقة، وليتركوا أمر الأهداف المحققة بجد، لجيش الإعلام الجديد، الذي لا يبحث عن مكاسب شخصية ومصلحية، تقف عائقا أمام نشر الملف كما هو بالأبيض والأسود، بدون ألوان لا زهرية ولا صفراء!

التعليق