زليخة أبوريشة

بيت جمال أبو حمدان

تم نشره في الثلاثاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:06 صباحاً

لم أكتب عن رحيل صديقي جمال كما أُحِبّ، لأنني كنت في الصدمة ثمّ في النكران. ثم كان عليّ أن أتدبّر معنى الفقد مع صديقتي التي هي صديقتُه وزوجته ريما إيراني، طوال عام ونصف العام. الآن أيقنّا أنه رحل بالمعنى الفيزيقي، ربما هذا ما يجب أن نشعر به لنستطيع التعاملَ مع إرثه الماديّ والمعنويّ، والثاني ضخم وفريد.
عندما كتبتُ عما أبكاني يوماً من رحيل صديقي عبد الله رضوان الذي كنتُ أدّخره لرثائي، وعن مرض صديقي جمال، قال لي جمال على التلفون: زليخة.. مقالتك جداً مؤثّرة. فقلتُ له محاولة دفع الحرج الذي نشعر به تجاه الذاهب إلى الموتِ قريباً: لكني يا جمال لم أعبّر في مقالتي عن كلِّ ما اعتراني عندما علمتُ بمرضك. فما كان منه إلا أن قال لي ضاحكاً: شو يعني؟ بدك أصاب بمرض آخر حتى تستطيعي التعبير؟ وانفجرنا ضاحكَيْن. وأخذنا نتحدّث عن الموت وهل يمكن العودة منه والتحدّث عن التجربة! وأخبرني أنه وصّى من الآن ما يريد كتابته على قبره: "هنا يرقد جمال الذي سقط رأسه في (رساس)، وتوفي في أركنساس"! وحتى الآن لم أستطع أن أفهم كيف استطاع هذا المبدع الكبير قليل الحجم والمائل إلى صمتِ الحياة وزهدها أن يواجه الموت بهذه الشجاعة، وكأنّ الموت ليس سوى يومٍ آخر في نهر الحياة! ربما أن الجواب في السؤالِ نفسه؛ فجمال كان قد غزلَ أُلفةً مع الفكرة قبل حدوثها، وقد قال لي بالحرف الواحد في عمّان وقبل عامين من رحيله: أنا سأموت بعد عامين. وكان قد كفَّ عن الكتابة، أو هكذا زعم، كما كفَّ عن القراءة، أو هكذا ادعى. كما أنه كان كثير الكلام عن الموت، وكثير الاكتئاب في عزلةٍ طوعيّة كانت ريما، رفيقته وزوجته، تتفنّن في إخراجه منها، ولطالما نجحت. حيثُ أن ريما لجمال هي ركنُه الناشطُ المتفاعلُ الطائشُ المغامرُ المقبلُ على الحياة بتفاصيلها الباهرة والمقدّس فيها والمدنّس، بينما يكون جمالُ منها الركنَ الرشيدَ المستقرَّ الساخرَ المتأمّل، ولكن الذي لا يتزعزع حبُّه لها بعارض أو خناقةٍ أو قطيعة. كنت أرى أن ريما في حياة جمال بمثابة مختبر أفكار، حيث هي تعاينُ الفكرةَ بعقلها الوقّاد من جميع وجوهها دون أن تكلَّ أو تملّ. وأظنُّ أن ريما كانت ملهمةً أساسيّة في إبداع جمال.
وبينما كان بيت جمال ملاذاً لجميع الأصدقاء والصديقات، من جميع الأعمار، وفي كل الأوقات، كان فضاء مفتوحاً لجميع الأفكار والنقاشات دونما تحفّظ. ولقد اجتمعَ فيه من شتى أرجاء الأرض مغتربون منفيون بعيدون عن أوطانهم، والتقى فيه أحبابٌ متخاصمون، ومقموعون من سلطاتهم ومجتمعاتهم، وأدباء وفنانون ومفكرون وكتاب وناشطات وناشطون.
بالأمس وأنا أعاين أشياء بيت جمال التي للبيع أو للإهداء، بكيت. فأنا عايشتُ هذا الأثاث، ونمت على بعضه. ولامست عيناي وربما أصابعي أيضاً هذه التحف والعاديات التي أتت بها ريما من كل مكانٍ ذهبت إليه. حتى الحجر الأسود الذي جلبه جمال من القرية السورية التي كانت مسقط رأسه (رساس)، قرب السويداء، وُضِعَ في صندوقٍ زجاجيٍّ في وسط البيت، وكان يمازحنا جمال بأن هذا الحجر أحد اثنين في العالم. الأقنعة الإفريقية التي ربما استوحى منها جمال ومن ثمَّ مُخرج مسرحية "قصة الممثلة جيم"، المنحوتات الخشبية والسيراميك والحجر.. غرفة السفرة المميزة، الجو العام المليء بالفرادة والكثير من الحب للحياة وللناس وللثقافة.. أجهزة بثّ الموسيقى، الكتب التي أهدتها ريما وترف إلى جدل وغيرها.
كان بودي أنّا كنا بلداً على درجة من تقدير أهل الفن والإبداع والفكر، لكنّا احتفينا بجمال أبو حمدان بعد رحيله! فحتى بوفاته لم تُعزِّ الحكومةُ أسرتَه، ولا أقامت له تأبيناً لائقاً. فجمال لم يكن أيَّ كاتب، كان واحداً من أهمّ مبدعي الأردن، إن لم يكن الأهم! حتى وزارة الثقافة آنئذٍ لم تفعل شيئاً حيال مرضه ووفاته، برغم علمها. وها هي أشياء جمال وبيته تُباع، بينما التاريخُ يُسجِّلُ أن المسؤول الرسميّ غائبٌ، بينما ناشدتُ من يشترون أن يوثقوا أن هذا الصحن وتلك المنحوتة وذلك الكرسيّ كان في بيت جمال أبو حمدان.
دعونا لا نفقد الأمل...!

التعليق