مروان المعشر

اتفاقية الغاز الإسرائيلي

تم نشره في الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:08 صباحاً

يركز معظم النقاش الدائر حول اتفاقية الغاز الإسرائيلي، خاصة التبريرات التي وردت من الحكومة، على النواحي الاقتصادية. إلا أنه حتى هذه الحجة الاقتصادية التي تقول إن الأردن سيوفر 100 مليون دولار سنويا، لم تُدعّم بأرقام واضحة شفافة، ولم يرافقها أي جهد حقيقي للحوار مع المجتمع ومجلس النواب.
لكن الإشكالية الحقيقية لا تتمثل في مئة مليون دولار، وهو ليس بالرقم الكبير حتى لو صح؛ وإنما تتمثل في نية الحكومة ربط قطاع الطاقة الحيوي بإسرائيل، ولمدة خمسة عشر عاما. ولا أحد من الحكومة يريد التطرق لهذا الموضوع أو الدفاع عنه، لا بل لجأت الحكومة لوسيلة توقيع هذه الاتفاقية من خلال شركة الكهرباء لتجنب مناقشتها في مجلس النواب. إذ تريد الحكومة تمرير الاتفاقية بالرغم من المعارضة الشعبية التي لا يبدو أن حجمها ذو تأثير على القرار.
صحيح أن هناك اتفاقية سلام مع إسرائيل. لكن صحيح أيضا أن هذه الاتفاقية لا تجبر الأردن على توقيع مثل هذه الاتفاقية، خاصة أننا نعيش في زمن غير الزمن الذي وقعت اتفاقية السلام فيه، والذي كان من المؤمل في حينه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. فالحكومة الإسرائيلية اليوم غير راغبة في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وقد صرح بذلك رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو عشرات المرات أثناء حملته الانتخابية. وبعد أكثر من عشرين عاما، حاول الأردن والمجتمع الدولي جاهدين خلالها إنهاء الاحتلال، يبدو واضحا أن حل الدولتين مات، وأن لذلك تبعات خطيرة على الأمن القومي الأردني، ليس أولاها الحائط العنصري الذي بنته إسرائيل داخل الضفة الغربية، والذي كان للأردن موقف مشرف في معارضته أمام محكمة العدل الدولية؛ ولن تكون آخرها محاولات إسرائيل المستميتة إقحام الأردن في ترتيبات إدارية في الضفة الغربية لمنع قيام دولة فلسطينية.
يضاف إلى ذلك تعديات إسرائيل المستمرة على المسجد الأقصى، والتي أدت إلى تأزيم متصاعد للعلاقة مع الحكومة الأردنية، كان آخرها مشاركة نتنياهو نفسه في الحفريات التي تجرى تحت المسجد الأقصى، ودعوته الشباب الإسرائيلي للمشاركة في عمليات الحفر. هذا ما يحدث اليوم، فما بالك بما سيحدث خلال خمسة عشر عاما مقبلة؛ من المؤكد أن الأمور ستتجه خلالها نحو المزيد من التأزيم سياسيا وأمنيا جراء الممارسات الإسرائيلية.
وسط هذا الواقع الجيوسياسي، لسان حال الحكومة يقول إن كل هذا يمكن تجاهله، ويمكن لنا إدارة الأمور مع إسرائيل لأننا سنوفر 100 مليون دولار سنويا، بالرغم من إدامة الاحتلال، وبالرغم من تهديد إسرائيل للأمن القومي الأردني، وبالرغم مما يجري وسيجري في المسجد الأقصى، وبالرغم من مقتل أردنيين في غضون عام على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبالرغم من المعارضة الشعبية الأردنية. دعوا كل ذلك جانبا، فنحن سنوفر 100 مليون دولار سنويا، من السهولة بمكان توفيرها عن طريق خفض النفقات في أماكن عدة.
ليست العاطفة هي الدافع من وراء هذا المقال. لكنني، كما كثيرون، لا أشعر أن مثل هذا القرار يمكن أن يتخذ بهذه البساطة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كل العوامل المذكورة أعلاه. من حق المواطن الأردني أن يناقش هذا الموضوع، وأن يتناوله بالتمحيص الكافي، أما أن يعامل الأمر وكأننا نستورد الغاز من سويسرا، فهذا لا يجوز. ولنفترض أن الغاز لم يكتشف في إسرائيل، فما كنّا فاعلين؟ ألم نكن سنبحث عن خيارات أخرى؟ وهل نصدق أن 100 مليون دولار سبب كاف لتعريض الأمن القومي الأردني لهزات مستقبلية؟
أخشى أن السبب الرئيس وراء هذه الاتفاقية سياسي وليس اقتصاديا. وما أزال غير قادر على تخيل كيف ستصمد الحجة الاقتصادية الواهنة أمام ما ينتظرنا من تعنت إسرائيلي خلال الخمسة عشر عاما المقبلة، وكيف نقبل أن نرهن قطاعا حيويا في اقتصادنا لدولة تعمل ضد أمننا القومي، وضد الحقوق الفلسطينية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لماذا الآن ! (أيمن أبولبن)

    الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    المثير للإستغراب ان يأتي هذا الإنتقاد من مسؤول سابق بحجم د مروان المعشر !

    د مروان المعشر كم اتفاقية جائرة تم الإتفاق عليه يوم أن شاركت ضمن الوفد الأردني في مفاوضات السلام والأهم من ذلك كم من مشروع تم تمريره حين كنت سفيرا لدى اسرائيل !

    لماذا لا نسمع هذه النغمة من الوطنية والحرص على مقدرات ومستقبل الوطن من المسؤول عندما يكون على رأس مسؤولياته وبيده كافة الصلاحيات ووسائل اتخاذ القرار، ونسمعها بعد تركه منصبه !
    سؤال أتمنى الإجابة عليه
  • »ضغوط سياسية متوقعة (لميس)

    الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    هو على الأغلب سياسي
  • »"اتفاقية الغاز" (يوسف صافي)

    الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    شرحت واسهبت واجدت استاذ مروان ولاادري سرّ غمزك متسائلا وخشيتك ان السبب سياسي وليس اقتصادي؟؟ومتى كانت السياسة والإقتصاد منفصلتان عن بعضهما وهما توأمان سياميان بوريد شريان حياة واحد؟؟لذا اقتضى التعليق توضيحا؟؟؟
  • »ستصبح الطاقة الشمسية أرخص وأول مصدر للطاقة (د. عاصم الشهلبي)

    الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    أؤيد ما جاء بمقال الدكتور مروان المعشر، بأن قرار إستيراد الغاز من الشركة الأمريكية-الإسرائيلة كانا سياسيا بأمتياز. وأضيف بأنه سيؤدي الى خسارة أقتصادية وليس الى أي ربح. والسبب، أن أخبار تكنولوجيا توريد الطاقة من الشمس بطريقها لتصبح أرخص مصدر لتوريد الطاقة في العالم خلال سنوات قليلة جدا. وسيصبح إستعمال الغاز والبترول محدودا ورخيصا للغاية. هناك معلومات لا تزال خفية، ولكنها تؤكد بأن معظم شركات الطاقة العملاقة في العالم بدأت بالتحول التدريجي الى طاقة الشمس البديلة. وتشير آخر أبحاث شركات الطاقة في الصين وأمريكا وغيرها، بأن تكلفة توريد سعر كيلووط الكهرباء عن طريق الشمس عن لا تتعدى 5 سنتات قريبا جدا بعد أكتمال تسجيل براءة أختراعات الشركات بهذا المجال. وبالتأكيد سيكون الأردن من أول المستفيدين من هذا التغير الهائل.
  • »المبلغ الموفر مضلل (د. باسل برقان)

    الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    المبلغ الذي تدعي الحكومة توفيره مضلل.
    فإن كان محسوبا على اسعار الغاز المسال الذي تعاقدت عليه في 2014 فالتوفير حتمي كون سعر الغاز تراوح بين 4 دولار الى 8 دولار للمليون وحدة حرارية آنذاك.
    أما اليوم فإن سعر الغاز يتأرجح بين 1.50 دولار الى 2.80 دولار ومنهم غاز قطر. التوفير حاصل حتى لو كانت الاتفاقية مع اي مصدر على الارض.
    ولكن المعلومات تشير بأن الحكومة وقعت على سعر يتأرجح بين 6 دولار الى 11 دولار وحسب تأرجح سعر برميل النفط برنت بينما اليوم الغاز حول 3 دولار.....!!!!
    على الحكومة ان تبرر لماذا وقعت على سعر مرتفع بينما شركة الكهرباء الاسرائلية رفضت ذلك وتعاقدت مع بريتش بتروليوم على سعر اقل....!!!
  • »قرار فردي غير ديمقراطي (بسمة الهندي)

    الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    أستاذ المعشر، لا خلاف أبدا على ما قلته ولكنني أرى أن أي قرار، أكان طابعه اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي، مع "إسرائيل" هو في نهاية المطاف قرار سياسي – "إسرائيل" احتلال ونظام عنصري ودولة مارقة خارجة على القانون ومتربصة بمصالحنا الاستراتيجية، واليوم يحكم "اسرائيل" أسوأ من فيها. كل هذا أيضا مفهوم ولكن الاشكالية الأهم هي ليست في كون القرار سياسي او اقتصادي وأنما في كونه فردي غير ديمقراطي ولا يعبر عن إرادة الشعب.