د.أحمد جميل عزم

قرون وسطى عربية ما بعد حداثية

تم نشره في الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:06 صباحاً

يعيش العرب نوعا من مزيج غريب بين مرحلتين تاريخيتين، هما ما قبل الحداثة وما بعدها، أو "القرون الوسطى الجديدة"؛ حيث أنماط سلوك وتفكير وحياة تعود لقرون خلت، لكن بأدوات ووسائل تكنولوجية، وأنماط تفكير وتنظيم مرتبطة بعصر العولمة. لكننا بينما نعيش ما قبل وما بعد الحداثة، فإننا نرفض الحداثة بوضوح، ونرفض مظاهرها، خصوصاً الأيديولوجيا، والأحزاب، والدولة، ونتراجع عن رومانسية الحلم الثوري بعالم أفضل.
يُعرف القرن العشرون بأنّه عصر الحداثة، وتحديداً في عدة متغيرات، منها التكنولوجيا التي أدت، من ضمن أشياء أخرى، إلى تقليص دور العائلة في الحياة الاقتصادية. فلم تعد العائلة الممتدة هي مكان العمل والرزق والسكن والأمن للأفراد، بل أصبحوا يتحركون في إطار فرص عمل جديدة، بنشوء الجيوش النظامية والخدمة الإلزامية، والجامعات، والقدرة على الانتقال بفضل المواصلات، من وإلى أماكن عمل وسكن جديدة بسرعة. كذلك، والأهم ربما، أنّه في عصر الحداثة، برزت الأيديولوجيا والنظريات العلمية كمحدد للحياة السياسية، بدءا من الليبرالية والماركسية، وحتى القومية والدين وأدلجتهما. فصارت الأحزاب والعقائد السياسية جزءا من مظاهر الحياة الأساسية، وصارت هناك نظريات تعتقد أنها قادرة على تفسير كل شيء في الحياة. وصار طبيعياً أن الناس يلتقون ويتصادقون بناءً على نمط عملهم المشترك، وأفكارهم، وانتماءاتهم السياسية والحزبية، وحتى هواياتهم، لا على أساس رابطة القرابة والقرية والمدينة. وصار طبيعيا انقسام أبناء العائلة لمشارب سياسية وفكرية ومسلكية مختلفة؛ ففي عصر الحداثة رابطة الدم ليست هي الأساس.
ما أزال أذكر ضابط الأمن الفلسطيني ذا الرتبة العالية، الذي اشتكى في لقاء لي معه على هامش ندوة، أنه في عصر ما قبل اتفاقيات أوسلو والسلطة الفلسطينية، كان يتحدث، وهو شاب صغير، باسم "التنظيم"، ويقصد تنظيم حركة "فتح"، فيلتزم الجميع بقرار وتوجيهات "التنظيم"، طوعاً ومحبةً ومهابةً وخوفاً. وهكذا كانت تحل حتى القضايا المجتمعية. أما الآن، كما يذكر الضابط، فإنه لو حدثت أزمة في قريته، فلن يتحدث باسم التنظيم، ولن يتحدث حتى باسم رتبته الأمنية والرسمية العالية، بل باسم العائلة؛ إذ عادت العائلة هي وحدة العلاقات الأهم. وما يريد الضابط قوله أنّ دور الفصيل والسياسة تراجع، وأنّ المؤسسة الرسمية ليست الحاسمة، وليست بديلاً. وعمليا، ربما فات الضابط أنّ "أوسلو" أعادت الثوار من معسكرات الثورة ومكاتبها، إلى قراهم وعائلاتهم.
هذه الحالة ليست حكراً على الفلسطينيين؛ ففي بلد جمال عبدالناصر والناصرية، وفي بلاد حزب البعث في سورية والعراق، وغيرها، تراجعت الأيديولوجيا والحزبية (حتى وإن كانت الطائفية والعائلية تخالطهما في الماضي ولم تكونا نقيتين تماما)، لصالح الاعتماد على الطائفة، والعائلة، والنسب، والعُصبة، والعصابات.
وفي دول عربية لم تعش أزمات بذات الحدة، فإنّ العشائرية والعائلية تتعمق لأسباب من ضمنها "الخصخصة" التي يفترض أن تقدم ليبرالية تعلي شأن الفرد، لكن الحقيقة أن تراجع دور الحكومات كمشغل ورب عمل، وتراجع قبضاتها الأمنية، جعل كل شخص يشعر بالرعب من عدم وجود سلطة ترعاه وتحميه، فارتد للعشائرية والهويات الـ"ما قبل حداثية".
في العالم ككل، هناك توجه لما يسمى عصر "ما بعد الحداثة"؛ بمعنى التراجع عن فكرة وجود أفكار ونظريات توضح حركة التاريخ والعالم، وما يجب أن تكون عليه الحياة، لصالح التعامل مع كل متغير وحادثة في الحياة بظروفها. فتراجعت الأيديولوجيا والأحزاب. واستطاع الإنترنت والإعلام المجتمعي أن يزيدا من قدرة الفرد على التخلي عن السلطة المركزية وتجاوزها، فليس بحاجة للتلفزيون الحكومي، أو الصحيفة الكبرى، أو حتى لخدمة البريد الخاضع للرقابة، بل حتى صار يقوم بأعمال وخدمات ومهن عبر الإنترنت، بعيدا عن أعين الحكومات.
هذا الوضع أوجد مزيجاً غريبا من تراجع الأفكار والأحلام الثورية بعالم مختلف، إلى الركون للعشيرة والقبيلة والعائلة والطائفة، مع انسلاخ عن الدولة، وإيجاد مجتمعات عابرة للحدود فيها فكر طائفي وديني متعصب، ومجتمعات داخل المجتمعات، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي. وهكذا صار السلوك مزيجا غريبا، تشاهده حتى على صعيد مسائل شكلية، مثل الملابس، حيث عودة لملابس ما قبل الحرب العالمية الثانية (وإن ببعض التحوير)، مع آخر صيحات الملابس الغريبة، بما فيها السراويل الممزقة التي يوجد منها "طبعات" للمحجبات.

التعليق