رنا الصبّاغ

ركوع المثقفين للسلطة!

تم نشره في الأربعاء 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:02 صباحاً

في الدول السلطوية هناك ثلاثة أنماط من المثقفين والصحفيين: غالبية تتصرف وكأنها موظف رسمي وبوق للسلطة؛ وفئة "الأمنجية"؛ وأقلية من المستقلين تنأى بنفسها عن المشهد التعسفي لحين حدوث التغيير، أو تقبل بدفع ثمن العمل ضمن فريق "السلطة الرابعة"، بما في ذلك شيطنتها وإقصاؤها.
السنوات الثلاث الماضية حملت أمثلة عديدة، شاهدة على الانكفاء إلى عهد الدكتاتوريات بأنواعها، بعد عبور سريع لرياح التغيير. حكومات معظم الدول العربية، بما فيها سورية، ضغطت على المثقفين لتمنع الحياد، وتفرض عليهم التحزب "إما معنا أو ضدنا". وبعضهم دخل حال الاستقطاب مرغماً بضغط من الشارع، وضاع دور المثقفين الذين كان يمكن أن يشكلوا مرجعاً تحكيمياً يخرج البلدان من حالة الاستعصاء الصعبة.
في تركيا مثلا، تترسخ تداعيات حملة التطهير التي بدأت مباشرة بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل، الصيف الماضي. قبل ذلك، عايشنا عصر الردّة على الإصلاحات المنشودة في عدّة دول عربية، بعد محاولات التغيير التي اجتاحت المنطقة مطلع العام 2011. دول عربية عدّة أرجعت عقارب الساعة، لتعيد إنتاج الاستبداد على خطى ما حصل في مصر بعد صيف 2013.
من الصعب الحصول على معطيات ذات صدقية في تركيا. لكن موقعا تركيا مستقلا وثق توقيف 117 صحفيا ضمن "حملة تطهير" شملت إغلاق 160 مؤسسة إعلامية. وطردت السلطات أو علّقت عمل 100 ألف موظف، كما أمرت بتوقيف 43 ألف شخص، وحبس 23,770 آخرين. حتى الفنان الكوميدي المحبوب عطالله دامرشي والمطربة الشعبية أتيلا طاس، لم يسلما من الاعتقال بدعوى علاقتهما مع حركة "خدمة"، بزعامة رجل الدين المقيم في أميركا فتح الله غولن؛ الحاضر الغائب في انقلاب الصيف. مؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان لا تتوقف عن المطالبة برفع القبضة الأمنية ووقف حملات التطهير.
الصحفية سيغفي أكارتشزمه؛ رئيس تحرير صحيفة "زمان" واسعة التأثير، والمعارضة لسياسات نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، واجهت حملات ترهيب وإقصاء كغيرها من المثقفين في تلك البلاد، بما يعكس قدرة الدولة على مطاردتهم وإحالة حياتهم الى جحيم، بينما تسير أنظمة المنطقة صوب الدكتاتوريات التي لا عودة عنها في المستقبل القريب.
أكارتشزمه تركت بلادها في آذار (مارس) الماضي بعد أن وضعت السلطات التركية يدها على الصحيفة بقرار قضائي، بدعوى صلاتها بغولن. كانت هذه الصحفية في طريقها إلى أميركا التي نالت فيها منحة من أحد مراكز الأبحاث، حين طلب منها مسؤول الأمن في مطار بروكسل مغادرة الطائرة. نظر إليها الركاب بارتياب، وبعد دقائق أدركت أن بلادها ألغت جواز سفرها، وبذلك أضحت ضمن مجموعة من 50 ألف مواطن واجهوا المشكلة ذاتها لأنهم عدّوا مناهضين لسياسات أردوغان. كانت أكارتشزمه تلقت رسالة من أحد جيرانها قبيل موعد إقلاع طائرتها يعلمها بأن الشرطة دهمت شقتها وصادرت كتبا منها، بما فيها كتاب بالإنجليزية بعنوان "الانقلاب"؛ كلمة كافية في تركيا اليوم لتوقيف أي شخص واتهامه بدعم الإرهاب.
برأي أكارتشزمه، فإن الانقلاب أمر مقزز. لكن أيا من الصحفيين أو المثقفين لم يجر حتى اليوم أي تحقيق استقصائي مستقل للبحث فيما وراء الخبر الرسمي المتداول في وسائل الإعلام، وتحليل محتواه، وفي غياب أدلة دامغة. أسوأ التداعيات كانت شيطنة كل معارض لنظام أردوغان، حتى وإن لم يكن له/ها أي علاقة بدعم الانقلاب. شارك ساسة وإعلاميون وكتاب في حملة شيطنة مستمرة لوصم حركة غولن بالإرهاب من دون أدلة. وانضم إلى تلك الحملة رتل من كتاب الزوايا والمعلقين السياسيين، بمن فيهم من يصفون أنفسهم بالليبراليين. تبّنت هذه الجوقة حملة "مكارثية"، وساهمت في شرعنة خطاب النظام والحكومة في غياب المعلومات الدقيقة، لاسيما أن حالة الطوارئ صعّبت الوصول إلى معلومات صحيحة قابلة للبحث والتقصي من مصادر مستقلة.
المشكلة الأكبر أن العالم سمع واقتنع إلى حد كبير بروايات هذه الفئة، وبخاصة من يكتبون بالإنجليزية، ممن يصنفون أنفسهم في خندق الليبراليين أو اليساريين أو العلمانيين. لماذا؟ لأنهم يشكلّون مرجعية للمراقبين خارج تركيا، ومرآة لما يحدث في بلادهم. لكن في الحقيقة موقف هؤلاء يشبه ممارسات رموز الإسلام السياسي المتشدد في الإقصاء والتكفير.
ازدواجية المعايير التي يتبعها هؤلاء مقرفة. فحين سحب جواز سفر ديليك دندار، زوجة شم دندار، أول صحفي يساري يغادر البلاد مطلع هذا العام، شنّت هذه الطبقة حملات على منصات التواصل الاجتماعي لاستنكار هذا العقاب. تحركوا فقط لأن سطوة النظام طالت واحدا منهم، لكنهم لم يتحركوا عندما حصل الأمر ذاته مع آخرين من خارج هذا النادي الذي قرر الركوع للسلطة.
من القضاة من صفقوا طويلا عندما نصّب أردوغان نفسه عقب الانقلاب في قصره الفاره رئيسا للسلطات الثلاث؛ القضائية والتنفيذية والتشريعية.
في مصر أيضاً، يتسارع تدهور المسار الديمقراطي، وربما تعدّى مساوئ حقبتي حسني مبارك وجمال عبدالناصر بضراوته وتشدّده.
بعد "الانقلاب" أو "التغيير" في صيف 2013، سيطرت روح إقصائية ضد كل من يختلف مع المسار الحالي، أو يرفض التطبيل والتزمير! العديد في طبقة المثقفين وكتاب الزوايا هاجروا من البلاد لتجنب العقاب، أو اضطروا للسير بعكس قناعاتهم ومبادئهم، أو تطوعوا للدفاع عن النظام. ما حدث لمثقف مثل عمرو حمزاوي، الباحث الأكاديمي والنائب السابق في البرلمان المصري، مثال حي على تجريف الحياة السياسية والثقافية. وكذلك حال الزميلة اللبنانية ليليان داود، التي أبعدت بعد ساعة على انتهاء إقامتها الرسمية، مع أنها أم لطفلة مصرية مخولة برعايتها مع زوجها السابق بقرار من المحكمة.
ما حدث يكشف عمق أزمة المثقف العربي في غالبية الدول. إذ فشل المواطنون حال المثقفين في كسر القطبية التي تتحكم بالمشهد السياسي-الأمني بين العسكر والإسلاميين. فحال الإلحاق هذه أجبرت غالبية المثقفين على الالتحاق بأحد المعسكرين: إما السلطة والوقوع في فخ الاستبداد والدكتاتورية كجزء من الماكنة الإعلامية والسياسية، أو دفع الثمن نتيجة الارتماء في حضن المعارضة بقيادة الإسلاميين. ومن ينأى بنفسه عن براثن هذه الثنائية يسعى للمغادرة أو الابتعاد عن المشهد طوعا إذا كانت إمكاناته/ها المادية تسمح بذلك.
كما في تركيا، كذلك في مصر ودول عربية أخرى أجهزت حكوماتها على الخيار الديمقراطي، يتعمق الخوف والهيستيريا يوما بعد يوم، بينما ينقسم الجمهور على نفسه بين مؤيدي السلطة أو المعارضة بالمطلق. أما الحكومات، فلا تقبل صوتا ديمقراطيا يعارض سياساتها أو يسائلها.
ممارسات أردوغان أو السلطات المصرية ضد حقوق الإنسان تتواصل بفعل قناعة رجال السلطة بأن هذا هو الخيار الصحيح، معتقدين أن الدنيا حولهم أصبحت "قمرة وربيع". هم في حال إنكار تام للوضع الكارثي، بالتزامن مع إرجاع الأزمات الاقتصادية والسياسية لمؤامرة ينسجها الغرب والإرهابيون والإخوان واليسار والليبراليون.
هذه الأنظمة تستخدم أدوات متشابهة لكبح حرية تداول المعلومات وتضليل الشعب بخطاب أحادي تردّده غالبية وسائل الإعلام والمثقفين في أجواء إقصائية. لا مشكلة لديهم في تبرير المجازر أو القول إن الردّة على الإصلاحات جاءت حماية للديمقراطية والعلمانية. في كل مؤسسة إعلامية اليوم ضابط اتصال يتلقّى الأوامر ويمررها لحراس البوابات الإعلامية العامة والخاصة. ثّمة شخصيات يمنع منعا باتا استضافتها، لأنها ليست على "قد المقاس". وصدرت قرارات بطرد عديد إعلاميين.
العديد من المثقفين والصحفيين المستقلين يشعرون بالخديعة، ويدفعون ثمن انسجامهم مع أنفسهم لحماية صدقيتهم على حساب شعبيتهم. لكن من قال إن هذه الطبقة يفترض أن تتمتع بالشعبية؟ ذلك أن واجبها الدفاع عن مصالح المجتمع، ومساءلة المسؤولين لضمان مطابقة أقوالهم مع أفعالهم، وليس التستر على نزوات الحكام مقابل سيرهم وراء أجندات النظام الرسمي العربي المدعوم بالمال والإعلام.
التغيير جزء من سنّة الحياة مهما بلغت الدكتاتوريات من مدى. وسيأتي يوم تنقلب فيه الأدوار: يقصى فيه كل مثقف/ة أطلق عليه/ا أزلام النظام، كما حصل في تونس بعد إزاحة نظام زين العابدين بن علي.
في الأثناء، تنزع الحكومات غير الديمقراطية إلى خلق أعداء محليين أو في الخارج، سرعان ما يتحولون إلى شماعة لتعليق الفشل من أجل التحكم بالرأي العام. هذه المجتمعات في الأغلب لا ترى الأمور إلا من باب الأبيض أو الأسود. ويبقى صوت القوى الديمقراطية خافتا في منطقة رمادية.
ازدواجية تعامل طبقة المثقفين مع حقوق الإنسان تساعد هذه الأنظمة على البقاء؛ إذ يحصل الزعيم على ما يعتقد أنه موافقة ضمنية للاستمرار في حملات الاضطهاد ثم الإفلات من العقاب. وبذلك تتحول هذه الدول إلى هياكل خاوية من المؤسسات المستقلة المفترض أن توفر آليات الضبط والربط لهؤلاء الحكام وتحول دون التجبر بالشعب.
في المقابل، تفقد الشعوب حقها في المطالبة بالتغيير. فكيف لا يفقد المثقف المستقل الأمل بمستقبل أفضل في ظل هذه المعطيات؟

التعليق