علاء الدين أبو زينة

فلتحاكَم بريطانيا على وعد بلفور..!

تم نشره في الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:07 صباحاً

عبرت أمس الذكرى الـ99 لوعد بلفور المشؤوم؛ الرسالة التي بعثها البريطاني جيمس آرثر بلفور إلى اللورد اليهودي ليونيل وولتر دي روتشيلد، وذكر فيها تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ولم يقتصر دور الحكومة البريطانية في النكبة الفلسطينية على هذا التبرع اللفظي بفلسطين. فقبل إعلان عرّابي المشروع الصهيوني في فلسطين إقامة كيانهم، جسدت بريطانيا الانتداب أبشع أنواع الاستعمار وأكثرها قمعاً، فسجنت أحرار فلسطين وأعدمت ثوارها وجهدت في كسر إرادة أهلها وجردتهم من كل وسيلة للدفاع، وسهلت عمل الوكالة اليهودية في تهجير يهود العالم إليها، وغادرت الفلسطينيين مكشوفين أمام العصابات اليهودية المدربة والمسلحة بتواطؤ بريطاني.
وكأن هذا العمل الإجرامي الذي أسس لنكبة شعب كامل لا يكفي لتشعر بريطانيا بالخجل، لتطفو الأخبار مؤخراً عن نية سليلي الإمبراطورية الاحتفال مع الصهاينة بذكرى مئوية وعد بلفور في العام المقبل. ونقلت الصحافة عن سفير الكيان لدى بريطانيا، مارك ريغيف، قوله: "يجري أخذ الأمر (الاحتفال ببلفور) بجدية كبيرة على أعلى المستويات. ونأمل بإقامة احتفال عام مع الحكومة البريطانية". كما تحدث ناطق سابق باسم رئيس وزراء الكيان عن الأحداث المحتملة، فقال إن "القيادات العليا من الجانبين (سوف) تتحد في الاحتفال ببلفور". وقال رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، لزعماء الجالية اليهودية في بريطانيا: "أريد أن أتأكد من أننا سنحيي المناسبة معاً بأنسب طريقة ممكنة".
كان الأولى ببريطانيا أن تراجع دورها الأسوَد في القضية الفلسطينية، وأن تحاول تصحيح موقفها، فتعترف على الأقل بأن فلسطين تحت الانتداب لم تكن أرضاً بلا شعب، وأن لهذا الشعب حقا مشروعا في وطنه التاريخي. وكان يجب أن تعتذر بريطانيا المعاصرة عن سوءات الإمبراطورية القديمة وجرائمها في حق الفلسطينيين، وأن تدين وعد بلفور وتتنصل منه. لكن البريطانيين المعاصرين الرسميين يتحدثون بقناعة عن حق دولة الاحتلال في الوجود، وينكرون حق الفلسطينيين في امتلاك وطن، في إنكار شرير لمسؤولية أسلافهم عن تدمير حياة الفلسطينيين، ومسؤوليتهم هم عن إدامة النكبة.
مع المعرفة الكاملة بأن التظلم والتماس الإدانات لكيان الاحتلال ليسا أفضل وسيلة لاستعادة الحق الفلسطيني، فإن عمل شيء يظل أفضل من لا شيء. وقد أثارت القيادة الفلسطينية مؤخراً قضية مسؤولية بريطانيا عن وعد بلفور، فطلب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في كلمته التي تلاها نيابة عنه وزير خارجيته في قمة نواكشوط في تموز (يوليو) من هذا العام، دعم الأشقاء العرب "لرفع قضية ضد بريطانيا لإصدارها وعد بلفور، وتنفيذه كسلطة انتداب بعد ذلك، الأمر الذي تسبب في نكبة شعبنا وتشريده، وحرمانه من العيش في وطنه وإقامة دولته المستقلة"، كما قال الرئيس. ثم أكدت الجامعة العربية أن "إعلان بريطانيا عن الاحتفال بالذكرى المئوية لوعد بلفور يشكل تحدياً لحقوق ومشاعر الشعب الفلسطيني"، مطالبة الحكومة البريطانية "بالاعتذار عن هذه الجريمة".
ولم تعتذر بريطانيا عن شيء. ولا عجب؛ فما من سبب قد يدفعها إلى التفكير في ذلك وهي تعرف هوان العرب والفلسطينيين، وتعرف أن العرب الرسميين غير جادين ويقولون دائماً ما لا يفعلون. لكننا لم نسمع أيضاً من الفلسطينيين عما ينوون فعله في هذا الصدد. ومع انسداد آفاق التسوية -حتى بأسوأ الشروط- وعجز القيادات الفلسطينية عن الخروج بأي بديل عن الجمود القاتل، يفترض أن تكون التحركات في المؤسسات الدولية والقانونية جارية على قدم وساق بدل الجلوس بلا عمل. وينبغي أن تشتغل المؤسسات الفلسطينية بمحاولة إزعاج الاحتلال وأنصاره على الأقل، من خلال تنظيم الحملات وجمع التواقيع وإثارة كل القضايا القانونية الممكنة، بدءاً من عشرات المجازر في فلسطين، مروراً بصبرا وشاتيلا وجرائم الاحتلال الأخيرة في غزة، وبلا انتهاء في الحقيقة ما دامت جريمة الاحتلال مستمرة.
يجب أن يكون الفلسطينيون هم الطرف المعني باستغلال مئوية وعد بلفور لمحاولة إقلاق الضمير العالمي المستريح على الظلم. ومع كل الأعذار التي يمكن تصورها لعدم إغضاب حكومة المملكة المتحدة، فإن رضا هذه الحكومة يعني في الممارسة مواصلتها دعم الاحتلال في فلسطين بالسلاح والدعم المعنوي والمالي وتعطيل أي قرارات أممية لصالح الفلسطينيين. ماذا ستفعل بريطانيا أسوأ مما فعلت وتفعل؟ ولماذا لا نأخذها إلى المحكمة، إذا أمكن؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معك حق (لميس)

    الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    مقال يجب تدريسه للطلاب