ماجد توبة

صراع المحاور الإقليمية أمام استحقاق التسويات

تم نشره في الخميس 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:05 صباحاً

تشتعل منطقتنا منذ ستة أعوام بصراع محاور إقليمية طاحن، بات يتغلف في الغالب بطابع صراع "سني شيعي"، يخفي وراءه، وفي القلب منه، صراعا سياسيا وبحثا عن نفوذ ومصالح، لا تتورع أطرافه في استخدام كل الأدوات والأسلحة لتحقيق النصر.
صراع، وحرب مشتعلة على أكثر من جبهة، يتصدره، كما هو معروف، محورا ايران وحلفائها العرب من جهة، والسعودية وحلفائها من جهة أخرى، فيما يقف صف عربي آخر في الوسط، يحاول أن يمسك العصا من المنتصف، إلا أن صوت الرصاص بصراع المحورين طغى على كل ما عداه، لدرجة تراجع أولوية الصراع العربي الاسرائيلي ومحوريته، والتي احتلها على مدى أكثر من نصف قرن، وبما صب في المحصلة لصالح العدو التاريخي والوجودي، الذي شكلته اسرائيل منذ زرعها في القلب العربي العام 1948.
الحرب الطاحنة غير المباشرة، التي ينهمك فيها محورا ايران والسعودية، ولكل امتداداته وتحالفاته الدولية، وتكاد تحرق ما تبقى من سورية واليمن والعراق، كلفت المنطقة وشعوبها الكثير من الدماء والدمار والخسائر الاقتصادية والتنموية والاجتماعية، وما تزال. ولم يعد خافيا أن استمرار هذا الصراع بنسخته المجربة منذ ستة أعوام، استنزف هذين المحورين ودولهما لدرجة خطيرة، على المستوى الاقتصادي والتنموي، خاصة مع ترافقه مع انخفاض أسعار النفط عالميا.
دع عنك حجم الدمار الكارثي الذي ضرب سورية واليمن والعراق جراء الصراع المحتدم، وانظر إلى الآثار الاقتصادية الكارثية التي تضرب الاقتصاد السعودي والخليجي والعربي والايراني، جراء الانهماك في الحروب الطاحنة وتمويلها، وهي نتائج يتوقع لها أن تتفاقم مع تواصل هذا المنحى التصعيدي، الذي يصعب فيه على طرف تحقيق النصر!
المثير للأسى، وحتى لعدم الفهم والاستيعاب، هو الإصرار على خوض الحرب والصراع بين المحورين للنهاية، والذهاب مرارا وتكرارا لخيارات المزيد من التصعيد والتحشيد، بمختلف الأدوات والإمكانات، واستنزاف المزيد من الموارد، ناهيك عن سيل الدماء والآلام المهدورة في هذا الصراع المفتوح.  
آن أوان الوصول لتسويات واتفاقات استراتيجية بين المحورين، لا نتوقع لها ان تنهي صراعات المصالح والنفوذ، لكن على الأقل أن ترشدها وتعيد ترسيمها، ومن ثم تقديم مقاربات وحلول توافقية تراعي مصالح الطرفين، وتفتح آفاق التعاون والاشتباك الإيجابي بينهما، بديلا من الاشتباك السلبي وحرب الوكالة، التي تحرق الأخضر واليابس.
ليس امام المحورين، ولا شعوب المنطقة، سوى اللقاء والحوار والتفاوض، فكل قوى الارض وأسلحتها لن تنهي أحد المحورين من الوجود، ولا فكاك جغرافيا وديمغرافيا، ولا حتى ثقافيا/ دينيا بينهما. كما ان بديل التسويات والحوار والتوافق بينهما قد جرب على مدى السنوات الست الماضية، فلم ينتج سوى الدمار والدماء والخسائر، واستدعاء الاحقاد التاريخية، وتعزيز قوة العدو الاستراتيجي الرابض في قلب المنطقة، وعلى حساب المحورين وقيم ومصالح شعوبهما.
التاريخ القريب جدا يثبت ان الدول الحقة، التي تراعي مصالح شعوبها، قادرة على المراجعة واعادة التموضع، والانعطاف بسياساتها وعلاقاتها إن اضرت بمصالحها كدول وشعوب. والاتفاق الايراني مع الولايات المتحدة والغرب بعد اكثر من ثلاثة عقود من العداء والصراع، والوصول لحافة الهاوية، لدليل حي على مثل هذه التسويات الاستراتيجية التي تحقق مصالح شعوب دول متصارعة.
كما ان الانعطافة التركية الاخيرة بالعلاقة مع روسيا وايران، بعد اختيار تركيا التورط الواسع بالمستنقع السوري والمقامرة بأمنها وأمن المنطقة كلها، لدليل آخر على اعتماد هذه المقاربة مراعاة للمصالح التركية، قبل أن تدفع اكثر جراء الاصطدام الشامل مع روسيا وايران.
حتى في التجربة اللبنانية الأخيرة، رغم محليتها، حيث نزلت الأطراف اللبنانية الداخلية عن الشجرة بعد أكثر من سنتين من أزمة الرئاسة والفراغ الدستوري، وانتخبت ميشال عون رئيسا، فانها تقدم دليلا آخر على أهمية المراجعة والانعطاف نحو مسرب التسويات والتوافقات للصراع والخلافات.
نعم.. آن لحرب المحورين المدمرة أن تضع أوزارها، والاتعاظ بالتاريخ القديم والجديد، والبحث عن مخرج من الدمار.

التعليق