"داعش" بعد الموصل

تم نشره في الجمعة 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:00 صباحاً

حسن حسن* - (نيويورك تايمز) 24/10/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

واشنطن- فيما يحث تحالف من القوات العراقية والكردية الخطى لاستعادة مدينة الموصل من تنظيم "داعش"، لا يجب أن تكون هناك أي شكوك حول ما تخطط المجموعة لفعله تالياً. سوف تقاتل حتى النهاية المريرة للدفاع عن معقلها الأكثر سكاناً ورمزية. فبعد كل شيء، كان في الموصل حيث أعلن أبو بكر البغدادي -زعيم المدينة لعامين قبل أن يصبح زعيم "الدولة الإسلامية" في العام 2010- من على منبر مسجد قديم ورمزي يعود إلى القرن الثاني عشر، عن إقامة خلافته.
إذا خسرت "داعش" الموصل، فإن لدى التنظيم خطة طوارئ كان قد أعلنها بوضوح، واستراتيجية داوم على إذاعتها بين الفينة والأخرى عبر منصات متعددة في الشهور الخمسة الماضية: "انحياز"، أو انسحاب مؤقت، إلى داخل الصحراء.
وكانت كلمة "انحياز" قد ظهرت في شهر أيار (مايو) في آخر خطاب لأبو محمد العدناني، الناطق بلسان المجموعة الذي قتل بضربة جوية أميركية في آب (أغسطس). وكان العدناني قد شرح أن خسارة الأراضي لا تعني الهزيمة، وأن المتشددين سيقاتلون حتى النهاية، ثم ينحازون إلى الصحراء من أجل التحضير للعودة، تماماً مثلما كانوا قد فعلوا بين الأعوام 2007 و2013.
وقد التقطت منافذ إعلامية مختلفة تابعة للمجموعة تلك الثيمة، فنشرت صحيفة "النبأ" الناطقة بلسان المجموعة الإرهابية مقالاً عن الموضوع في آب (أغسطس)، واستذكرت فيه كيف أن متشددي تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق"، سلف "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، تمكنوا من النجاة والبقاء بعد أن طردوا من المدن العراقية في أعقاب زيادة عديد القوات الأميركية في العراق وتشكيل قوات الصحوة القبلية.
ووفق المقال، فإنه بينما انسحب معظم المتشددين، بقي العشرات من الناشطين من أجل شن حملة إرهابية. ويشرح المقال -محقاً- أن حملة الجهاديين التي استمرت ستة أعوام تمكنت من أجهضت وقسمت المجموعات السنية العراقية الأخرى، مما جعل من الأسهل على تنظيم "الدولة الإسلامية" السيطرة على الأراضي السنية الرئيسية عندما عاود الظهور في العام 2013.
ويقول المقال في تحذير مشؤوم حول ما يمكن أن يحدث تالياً للعراق: "تظهر الأحداث التاريخية أن مجاهدي الدولة الإسلامية منعوا المرتدين من التمتع بيوم واحد من الأمن والأمان".
كما نشر "داعش" أيضاً شريط فيديو في آب (أغسطس) الماضي، والذي ذكر أنه تم تصويره في ولاية الفرات، هي من محافظات الخلافة المعلنة ذاتياً. وعلى النقيض من معظم أشرطة فيديو المجموعة التي تعرض قتالا في المدن، عرض هذا الشريط قتالاً صحراوياً، مصحوباً بشرح عن اشتباكات بالقرب من الرطبة، وهي بلدة استراتيجية تقع في غربي العراق على الطريق التي تربط بين بغداد وعمان، الأردن. وفي شريط الفيديو، يهاجم مقاتلو التنظيم معسكراً يدعون بأنه مؤمن من جانب القوات العراقية والأميركية، ويستولون عليه.
كما وزعت "آماق"، وكالة أخبار "داعش"، مقتطفاً من شريط الفيديو مع عناوين فرعية باللغة الانجليزية. وبعد أسبوعين، أعاد المنفذ نفسه إنتاج وتوزيع شريط فيديو مشابهاً كان قد صور في الصحراء أيضاً، والذي يخلص إلى مشهد يصور جثة جندي عراقي بينما يتم سحلها على الشارع.
كانت هذه الأشرطة، مثل كلمة العدناني والمقالات الأخرى عن "الانحياز"، تهدف إلى تهيئة مقاتلي "داعش" لخسارة الأراضي. لكن على الولايات المتحدة وحلفائها أن يعيروا الانتباه هم أيضاً.
بالنسبة لتنظيم "داعش"، ليست ولاية الفرات أقل أهمية من الموصل. فمن أجل الاستدامة طويلة الأمد، تكون الصحراء مهمة بالقدر نفسه الذي تهم فيه المدن. وولاية الفرات، كما تجدر الإشارة، هي الولاية الوحيدة التي تمتد على طرفي حدود العراق- سورية والأراضي والمناطق البعيدة مثلها من التي تشكل مخابئ محتملة لكبار القادة -إذا لم يكونوا قد لجأوا إلى هناك أصلاً. ويرى المسؤولون العراقيون مسبقاً علامات على ما يمكن أن يعنيه انسحاب "داعش" إلى داخل الصحراء. وكان مسؤولان أمنيان في محافظة صلاح الدين الواقعة إلى الشمال من بغداد قد قالوا في مقابلة تلفزيونية مؤخراً إن "داعش" ينسحب إلى مناطق محررة منذ كانون الأول (ديسمبر) من العام 2014؛ حيث يقوم بتجنيد أعضاء جدد وينظم هجمات كر وفر وهجمات انتحارية في مناطق سكنية. وكما هو الحال في شبه جزيرة سيناء في مصر وفي المناطق الريفية في شمال غرب باكستان، تجد القوات الأمنية نفسها مفرطة التمدد وعاجزة عن مواصلة جهودها.
كما يتذكر قادة "داعش" فقد حدث مثل هذا بعد العام 2007. وفي ذلك الوقت، أصبحت الصحراء قاعدة، غالباً للمقاتلين الأجانب، بينما ظل المقاتلون العراقيون في المؤخرة. وقد سمح تواجد المجموعة في المناطق الريفية لها أيضاً بتمويل صناديقها المالية بالسلب والنهب والابتزاز على الطرق السريعة. وركز المتشددون هجماتهم على أعدائهم القبليين وقوات الأمن العراقية، زارعين بذور الشقاق والخوف، وجاعلين الظروف تنضج لعودتهم بعد ستة أعوام.
لكن الظروف تعد هذه المرة مواتية أكثر لإعادة بناء "الدولة الإسلامية" ثانية. فقد أصبح العراق الآن أكثر تقسيماً من الناحيتين السياسية والاجتماعية قياساً مع ما كان عليه في السابق. وكما قال لي عراقي كان قد شارك في مجالس الصحوة، فإنها لا توجد حالياً أي مجموعة سنية تستطيع ملء الفراغ الذي يتركه "داعش". ومن جهة أخرى، يزيد الصراع المتواصل في سورية من تعقيد الوضع: وحتى لو تم طرد "داعش" من المناطق المأهولة في كلا البلدين، فإن الحدود الصحراوية المفتوحة بينهما تجعل من الصعوبة بمكان مطاردة أفراد المجموعة.
لن تكون الحرب ضد مجموعة "داعش" الإرهابية قابلة للكسب من دون تعبئة الفراغ السياسي والأمني الذي يوجد حالياً في الكثير جداً من مناطق العراق.
لا شك أن انسحاب "داعش" أخيراً من الموصل يشكل انتصاراً تمس حاجة البلد إليه. ولكن، ما لم تعمد الحكومة في بغداد إلى تمكين العراقيين السنة من تعبئة الفراغ الناجم عن انسحاب المجموعة، فإنها ستعاود الظهور مرة أخرى من الصحراء.

*زميل مقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، وهو مؤلف "الدولة الإسلامية في العراق والشام: من داخل جيش الإرهاب".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Islamic State After Mosul

التعليق