لماذا يتحدث ترامب فجأة عن الحرب العالمية الثالثة؟

تم نشره في الأحد 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

آن أبلباوم - (الواشنطن بوست)

28/10/2016


وراءً، في آذار (مارس) من العام 2014، بعد الغزو الروسي لشبه جزيرة القرم، قدم أشهر مذيع في التلفزيون الروسي الرسمي صورة للوضع الدولي آنذاك بمصطلحات صارخة. قال ديمتري كيسليوف للملايين من مشاهديه: "إن روسيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكنها حقاً أن تحوِّل الولايات المتحدة الأميركية إلى رماد مشع". وعلى خلفية صور لغيوم الفطر والأهداف النووية المتقافزة، تحدث كيسليوف بطريقة مُنذرة عن كيف تحول شعر الرئيس باراك أوباما إلى اللون الرمادي -"أعترف بأن هذا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة"- وعن اليأس المتزايد لدى بيت أبيض يخشى حقاً من احتمال اندلاع حرب نووية في أي لحظة.
الآن، نحن في تشرين الأول (أكتوبر) 2016، ويعود كيسليوف، الذي يرأس أيضاً وكالة الأنباء الروسية المملوكة للدولة، إلى ذلك مرة أخرى. ففي البرنامج نفسه، حذر بالطريقة المشؤومة نفسها يوم 9 تشرين الأول (أكتوبر): إن "السلوك الوقح تجاه روسيا" ينطوي على "بعد نووي". وعرَض كيسليوف مرة أخرى صوراً لأوباما. وقال إنه كان هناك "تغيير جذري" في العلاقات الأميركية-الروسية، وأضاف إلى ذلك تهديداً: "يمكن أن ترد موسكو بأعصاب من حديد" على أي تدخل للولايات المتحدة في سورية -بما قد يصل إلى رد نووي. ونصحت قناة تلفزيونية أخرى المواطنين: "إذا كان يجب أن يحدث ذلك في يوم من الأيام، يجب أن يعرف كل واحد منكم أين يقع أقرب ملجأ. ومن الأفضل أن يعرف ذلك الآن".
يا له من فرق ذلك الذي يمكن أن يحدث في سنتين: فقد تجاهلت حكومة الولايات المتحدة، وجمهور الولايات المتحدة، ذلك السرد النووي الروسي في المرة الأولى لطرحه. لكن اللغة تبدو مختلفة هذه المرة. فنحن في منتصف انتخابات رئاسية قبيحة. والأهم من ذلك أن لدينا مرشحاً جمهورياً يكرر بانتظام عباراته الدعائية المُستلّة مباشرة من وسائل الإعلام الرسمية الروسية. وقد أعلن دونالد ترامب أن هيلاري كلينتون وأوباما "أسَّسا داعش"، وهو تصريح قادم مباشرة من وكالة أخبار سبوتنيك الروسية. كما أنه فضح بإسهاب نظرية مؤامرة أخرى -"محرك بحث غوغل يعمل على إخفاء الأخبار السيئة عن هيلاري كلينتون"- مباشرة بعد أن بثت وكالة سبوتنيك ذلك.
والآن، يكرر ترامب تهديد كيسليوف، أيضاً. وقال هذا الأسبوع: "سوف ينتهي الأمر بنا إلى حرب عالمية ثالثة بسبب سورية إذا أصغينا إلى هيلاري كلينتون". وتماماً مثل كيسليوف، أشار إلى أن روسيا تملك أسلحة نووية و-ربما إذا انتخبت كلينتون- ستقوم باستخدامها. وقال ترامب: "إن روسيا دولة نووية، لكنها بلد تفعل فيها الأسلحة النووية، في مقابل دول أخرى تتحدث فيها فقط".
لماذا تستخدم وسائل الإعلام الرسمية الروسية مثل هذه اللغة القاسية؟ وما هو السبب الذي يجعل ترامب يكرر ما تقول؟ ليس من الصعب أن نفهم دوافع النظام الروسي: إنه يريد أن يخيف الروس. فالاقتصاد أضعف بكثير مما كان في السابق، ومستويات المعيشة آخذة في الانخفاض، ومعها مستوى الدعم الذي يتمتع به الرئيس فلاديمير بوتين. ولا شك أن زمرة حاكمة تبقى في السلطة بفضل العنف والفساد ستكون زمرة عصبية بالتعريف، ولذلك تستخدم احتكارها لوسائل الإعلام من أجل تخويف الناس: إن نظام بوتين فقط هو الذي يمكن أن يحميكم من عدوان الولايات المتحدة.
ولا شك أن النظام يريد تخويفنا نحن أيضاً، وإقناعنا بالتخلي عن سورية. وإذا قامت الولايات المتحدة وأوروبا برمي المنشفة، فستكون روسيا بعد ذلك حرة في مساعدة نظام بشار الأسد على فرض النوع نفسه من "الحل" الذي استخدمته روسيا في الشيشان قبل أكثر من عشر سنوات: قتل عشرات الآلاف من الناس، وتسوية الأشياء بالأرض، وتدمير كل البدائل السياسية، ومن ثم البدء من جديد، مع ديكتاتور تدعمه روسيا. وفي هذه الأثناء، تكون للحرب استخداماتها: لقد زادت التدفق المزعزع للاستقرار للاجئين إلى أوروبا، على نحو وسع نطاق الفوضى السياسية والاقتصادية التي تعتقد روسيا بأنها تخدم مصالحها.
كما أن للروس أيضاً مصلحة كبرى في انتخاباتنا. فمنذ الصيف الماضي، عندما حاول قراصنة روس إفساد "المؤتمر الوطني الديمقراطي" باستخدام رسائل بريد إلكتروني مسربة، كان واضحاً أن روسيا تفضل المرشح الجمهوري، والرجل الذي تحدث مراراً وتكراراً عن إعجابه ببوتين وكراهيته لحلفاء الولايات المتحدة. ومن التجربة الشخصية، فإن "التقنيين السياسيين" الذين يقومون بتصميم الحملة الإعلامية للنظام يعرفون أن الخوف والهستيريا يمكن أن يقنعا الناس بالتصويت لصالح مرشح سلطوي. ولن تكلفهم أي شيء تقريباً محاولة خلق الخوف والهستيريا في الولايات المتحدة. وقد لا يعمل ذلك -لكنه قد يطرح ثماراً كبيرة أيضاً.
هناك دافع محتمل آخر. مهما كانت النتيجة يوم 8 تشرين الثاني (نوفمبر)، فإن حالة عدم اليقين السياسي سوف تتبع: الأشهر الانتقالية، وتغيير موظفي البيت الأبيض، وربما ردة الفعل العنيفة التي قد يحرضها ترامب. ويمكن أن يكون ذلك لحظة ممتازة لهجوم روسي كبير آخر: مصادرة للأراضي في أوكرانيا؛ غزوة في دول البلطيق؛ أو تدخل أكبر في الشرق الأوسط -أيّ شيء يمكن أن يشكل "اختباراً" للرئيس الجديد.
إذا كان هذا قادماً، فإن بوتين يحتاج إلى إعداد جمهوره لخوض حروب أكثر بكثير وإلى إقناع بقية العالم بأن لا يوقفه عن خوض هذه الحروب. ويحتاج الى وضع جنرالاته في الحالة العقلية الصحيحة، وإلى جعل جنوده على استعداد للمضي قدماً. ولا يمكن أن يفشل القليل من خطاب الحرب النووية في تركيز الانتباه، وأنا متأكدة من أنه فعل.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why is Trump suddenly talking about World War III?

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق