جميل النمري

درس الجوكر

تم نشره في الاثنين 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:08 صباحاً

الجريمة هزّت المجتمع وانفتح النقاش على مصراعيه حول المخدرات وخصوصا حول النوع المسمى الجوكر. وقد رأينا أنموذجا مرعبا لها في اقدام شاب على قتل والدته. وقد تابعنا فيديو تمثيل الجريمة وصوت الفتى بعد أن ثاب الى رشده يصرخ ويصرخ بألم مناديا أمه التي طعنها تكرارا ثم جز رأسها وفقأ عينيها في عمل مرعب هزّنا جميعا ولا يمكن الإقدام عليه إلا في نوبة جنون تام.
والحديث الآن الى جانب حملات التوعية والتحذير من خطر المخدرات يدور حول تغليظ العقوبات، لكن تغليظ العقوبات كان قد تم في آخر قانون أقره مجلس النواب هذا العام وصدر في الجريدة الرسمية في 16 حزيران الفائت. والعقوبة تصل الى الإعدام اذا كان تداول المخدرات للاتجار ارتباطا بعصابات دولية، ودون ذلك الحكم المؤيد اذا اشترك فيها قاصر أو رجال أمن المكافحة، ودون ذلك السجن 15 عاما للاتجار وللتداول بغير قصد الاتجار 5 سنوات ترتفع الى عشر سنوات مع التكرار ودون ذلك لحالات أخرى رغم ان النص مربك في التفاصيل يعج بمترادفات في التعابير من حيث نوع الفعل ودرجة العقوبة لكنها لا تميز بين المواد نفسها ففي كل بند يتم استخدام تعبير المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وهي مدرجة في جداول بالأسماء الكيمائية في نهاية القانون.
كانت هذه ملاحظتي الرئيسية على القانون الذي تم اقراره في حينه أي أنه كان يجب على القانون أن يميز بين أنواع المواد التي تصنف كمخدرات بالنسبة للعقوبات على التعاطي أو التداول أو الاتجار وقد كتبت في حينه مقالا ( 14 آذار 2016) تحت اسم "الجوكر" منبها الى أن أنواع المخدرات تتفاوت بصورة شديدة من حيث أثرها وخطورتها ويجب الربط بين درجة خطورة ومستوى العقوبة كما هو الحال بالنسبة لأي فعل جرمي آخر. وقلت " خذ على سبيل المثال ما يشتهر الآن باسم "الجوكر"؛ فهو ليس من المخدرات المعروفة، بل يُجمع من مستحضرات مختلفة، يقال إن بينها سم الفئران، لكن تأثيره خطير. فهو إضافة إلى أثره الصحي بالغ السوء، يؤدي إلى فقدان التوازن العقلي، ويولد نزعة إجرامية؛ إذ يمكن لمتعاطيه أن يتحول لارتكاب أي جريمة"،  وانظرو الى الجريمة وأي جريمة قاد اليها هذا السم. وهو بالمناسبة ليس مادة محددة ومعروفة مثل المخدرات التقليدية اذ يتم تصنيعه محليا من مواد قد تختلف في نوعها وتركيزها وقد لا يبالي المصنعون كثيرا بذلك فهي متوفرة واسهل للتحضير وأرخص لكن أثرها سرّ مستطير فهي قد تؤدي الى الوفاة أو تلف دائم في مناطق بالدماغ أو جنون مؤقت  أو الاجرام.
ضمن المواد المصنفة كمخدرات هناك حبوب مسكنة للألم لا تسبب اي ضرر لكن تكرار تناولها يسبب الادمان وتسببها بالادمان هو السبب الوحيد لإدراجها ضمن المخدرات وهي لا تسبب غير ما يمكن ان تسببه اي ادوية اخرى بجرعات ضخمة وهي لا تؤدي بصاحبها الى اي سلوكيات خطيرة تجاه الآخرين؛ فهل يمكن وضع هكذا مواد تحت تصنيف واحد بالنسبة للعقوبات مع مادة مثل الجوكر وشبيهاتها؟! ولا اقول ذلك فقط بالنسبة للمروجين والتجار بل ايضا المتعاطين وهم الضحايا فمن يتناول مادة لا تجعل منه شخصا مؤذيا للآخرين ليس مثل من يتناول مادة قد تحوله الى مجرم يقتل الآخرين.
أنا وقفت دائما مع عدم تجريم الضحية أي المستهلك الذي لا يبيع ولا يمرر المادة لغيره مقابل تشديد العقوبة على التاجر والمروج وجعلها اقسى للأنواع الخطيرة مثل الجوكر. وهناك تجارب دول أثبتت صحة هذا النهج مثل البرتغال التي عانت من أعلى المعدلات في انتشار المخدرات والآن أصبحت من أدناها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »درس الجوكر (ابو مراد)

    الاثنين 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    لكي نقضي على افة المخدرات لا بد من الضرب بيد من حديد على الاشخاص التي تروج هذه الافة كذلك لا بد من مداهمة جميع الاوكار التي تباع بها هذه الافات . ان ناقوص الخطر بدا يهدد مجتمعنا وخاصة الشباب والشابات ولكي نقضي على هذه الافة لابد من الضرب بيد من حديد على المهربين والمروجين لها ومداهمة كل الموافع التي يتم التداول ببيعها وكذلك لا بد من اجراء فحص طبي لكافة الشباب والشابات وخاصة طلاب التوجيهي وطلاب الجامعات كذلك لا بد من عمل لجان لكي تقوم باتلاف كل المواد التي تم الاستيلاء عليها اولا باول .
  • »القتل تحت تأثير المخدرات (صالح)

    الاثنين 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    "صوت الفتى بعد أن ثاب الى رشده يصرخ ويصرخ بألم مناديا أمه التي طعنها تكرارا ..." هو التعبير الصحيح لوصف ما جرى حيث قتل الرجل والدته بطريقة مروعة تنم عن جنون تام بسبب المخدرات، كما فهمت من مقالة الصديق جميل النمري.
    وإذا كانت تلك هي الحالة فكيف يطالب البعض بإنزال حكم الإعدام بالرجل الذي يبدو أنه لم يكن يدرك ما يفعل، ولم يكن في وعيه، وندم ندما شديدا بعد انتهاء مفعول "السم الهاري" الذي تناوله.
    هذه الجرائم الرهيبة تشبه جرائم داعش من حيث ماهيتها لكن الدوافع مختلفة. ووجه الشبه هنا هو أن الجريمتين تحدثان بسبب فقدان القدرة على التفكير. في الأولى المخدارت هي السبب وفي الثانية، غسيل العقل والتفكير.
    وجه الشبه الآخر بين جرائم داعش وجريمة قاتل أمه هو أن الإعدام والأحكام المغلظة والفاسية لا تجدي في وقف مثل هذه الجرائم، رغم شدّتها وهولها وعدم قبول العقل القويم لها. الجزء الآخر من العلاج في الحالتين هو الوصول إلى الأسباب وتحليلها والعمل على تجنبها والحيلولة دون وقوع المزيد من الشباب في حبائلها ومعالجة أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالفراغ والبطالة وعدم القناعة بجدوى الحياة كلها عوامل تؤدي إلى فقدان الأمل وهو ما يقود إلى الانتحار (أي قتل الذات) أو قتل الآخرين دون وعي والقاتل يمر بمرحلة من فقدان القدرة على السيطرة على نفسه وأحاسيسه والتمييز وإعمال العقل.
    وفي جميع هذه الحالات لا يمكن أن يكون الحل "العين بالعين والسن بالسن" لأن في ذلك هروب من الواقع الاجتماعي القميء الذي تعاني منه فئات كثيرة في مجتمعنا. وأحكام الإعدام لم تكن ذات يوم حلا، ولو كانت كذلك لانتهت الجريمة في جميع مجتمعات العالم التي طبقت هذه العقوبة قبلنا وما زالت تطبقها دون فائدة تذكر لأن المشكلة أكثر تعقيدا بكثير من أن تحل بعملية قتل أخرى تقوم بها الدولة بدل أن تحاول القيام بعملها في إيجاد الحلول الصحيحة رغم أنها قد تكون صعبة ومعقدة.