حنان كامل الشيخ

رؤوس ليست فوق أكتافها!

تم نشره في الثلاثاء 8 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

بداية، وحتى لا نكون سببا في تضخيم التفاعل الذي تلا الرأي الخاص بأصول ومنابت الشاب قاتل والدته، من الجيد أن نتذكر بأن التفاف المجتمع الأردني طيب المنبت شريف الأصل، كان في أساسه إنسانيا بحتا ووجدانيا خالصا، كما هي عادته مع أخبار القتل والجريمة في عمومها، بغض النظر عن جنسية القاتل وأصل المقتول. فـ”الهيصة” التي تفاعلت بسبب فكرة خطرت على بال كاتبها وناشرها، كان من الأجدر إخمادها في مهدها منذ اللحظة الأولى، والاكتفاء بالتعليق على بعض المفاهيم والجمل غير المرتبة ولا المفهومة، ولكن تم تفسيرها وحشرها من قبل متلقين داخل إطار خطاب الكراهية المنبوذ قولا وفعلا.
وعودة للقضية الأساسية، والتي هزت أركان المجتمع الأردني والعربي خلال الأيام القليلة الماضية، فمن وجهة نظر أخرى، أو من زاوية مختلفة من المشهد، تبدو حالة الإنكار الرهيبة التي يمارسها الأهل مع أبنائهم، بخصوص احتمال تعاطيهم للمخدرات، سببا مباشرا أيضا في انتشار الجريمة مؤخرا.
تلك الأم المغدورة وباقي أفراد الأسرة، تعاملوا مع “حالة” ولدهم الخارجة على الأعراف والمنطق والأخلاق، بفرضية للأسف الشديد تعد أمرا شبه واقع يومي بالنسبة لمجتمعنا، الذي يؤمن بخرافات التعامل مع السحر والجن والأعمال والشعوذة، ويبديها في كثير من الأحيان على العلم والطب والعقل.
لا أستطيع أن أحمل الأم ذنبا واحدا لما آل إليه ولدها، لأنها أولا في دار الحق، وقد لقيت مصيرا ولا أفظع يمكن أن يتخيله امرؤ لنفسه. وثانيا لأنها أم، وأنا أعرف كيف يمكن للأم أن تتصرف وتفكر وتهجم على أي جواب يشفي أسئلتها الحائرة، بخصوص ولدها المتعَب المتعِب، وتحاول أن تستخرج من الحجر خيط أمل، ينقذ فلذة كبدها من حاله الغامض. ولكن، ولأنه غامض بتصرفاته، منفصم بسلوكه وردود أفعاله كان الحل الأسلم لمثل حالته بالنسبة إليها ولكثيرين من شرائح وفئات مجتمعاتنا، هو اللجوء للمشعوذين والدجالين، لاستخراج الروح الشريرة من جسده المريض، خصوصا وأنه قد دلهم على أول الطريق حين كان يتفنن بنشر تعويذاته الغريبة المتناقضة في غرفته، وعلى صفحة “فيسبوك” الخاصة به.
هذه الطريقة السهلة والجاهزة في التعاطي مع شذوذ الأبناء والبنات السلوكية والأخلاقية، بجانب طبعا رمي الحمل بكامله على الآخرين، أي آخرين والسلام؛ أصحاب سوء، حب ضائع، معلم ظالم، كلها منافذ لتمرير الحجج المريحة، البعيدة عن تحمل راية المسؤولية الأولى والأخيرة؛ المنزل! إن محاولات الأهل في إنكار احتمالية تعاطي أبنائهم للمخدرات، بحاجة هي نفسها للعلاج، خصوصا وأنهم يقنعون أنفسهم بأسباب تافهة، كقلة ذات اليد مثلا وهو سبب يسوقه كثير من الأهل لتأكيد إبعاد هذا الاحتمال، مع أنه لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال أن يكون مانعا حقيقيا للدخول في عالم المخدرات، ذي الأصناف الملونة المتنوعة والمتناولة في اليد، لو نوت أن تفتح الباب لها.
فكما هو الحال، في التفسيرات المرتبكة وغير الدقيقة حتى اللحظة لانضمام الشباب للمنظمات الإرهابية، رغم توفر كل الظروف المعاكسة لهذا التوجه اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، ينسحب المثال ذاته على موضوع المخدرات، والتي يبدو أنه لا كبير لها! الشاب الذي جز رأس أمه بالساطور، وقال عنها إنها “شيطانة” حسب التحقيقات المنشورة، يشبه مئات الشباب والشابات ذوي الإعاقات النفسية العميقة، التي أحدثتها ظروف اجتماعية خاصة وزادت عليها آفة تعاطي المخدرات.
قد آن الأوان حقيقة التوجه إلى الأهل في أماكن يسهل التخاطب معهم، لنزع غلالة الخوف وساتر الإنكار الذي يختبئون خلفه، ومطالبتهم بإعادة رؤوسهم فوق أكتافهم، وتفتيح عيونهم جيدا. أولادنا وبناتنا ليسوا بمنأى عن خطر التطرف الاجتماعي والديني والسلوكي، في هذا العالم المجنون بخطاه المتسارعة نحو كل شيء، الجمال المشرق والظلام الموحش!
وعلى فكرة، هذا الخطر يحدق بأبنائنا، من شرائحهم الاجتماعية ومستوياتهم الاقتصادية، وجنسهم وأصولهم ودياناتهم كافة.

التعليق