جهاد المنسي

خريف العرب

تم نشره في الأربعاء 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:03 صباحاً

تجري حولنا متغيرات لا متناهية جميعها تنبئ بأفق سياسي جديد، وربما ذوبان لحدود، ونشأة حدود، فهناك حرب على تنظيم داعش الإرهابي في العراق وسورية، ترافقت مع تسكين لأزمات سياسية في لبنان، وحرب مفتوحة وقصف طائرات في اليمن، وإرهاب متصاعد في سيناء، وحراك مجتمعي في مصر، وحرب لا منتهية في ليبيا، واعتقالات في صفوف نواب في تركيا، وأزمات مالية باتت تظهر واضحة في الخليج، وقلاقل في تونس والمغرب.
وفي الركن الغربي من نهرنا تصعيد صهيوني، واعتقالات يومية، واستباحة كل ساعة لحرمة المقدسات المسيحية والمسلمة في القدس والاقصى والخليل، واستيطان يقضم الأرض ويخلع الشجر ويقتل البشر.
خلال السنوات الخمس الأخيرة بتنا نشهد أزمات تتلو أزمات، اذ لم يعد أي ركن في هذا الوطن العربي المجروح المكلوم سليما، وباتت سكاكين التقسيم والفرقة تستبيح أرضه بشكل يومي، وتعزف على نغمة الفتنة بشكل متصاعد مدعومة من أبواق إعلامية وجدت لنفسها مكانا في هذا البحر الهائج.
اليوم، وبعد سنوات خمس مما عرف بـ"الربيع العربي" بتنا أكثر شوفينية، أكثر طائفية، أكثر فرقة، أكثر انعزالية، أكثر تطرفا، أكثر رفضا للآخر، أكثر تشتتا، أكثر تقوقعا، أكثر قطرية، أكثر مذهبية واقليمية.
اليوم تغير كل شيء، فقد تغير العراق، فلم يعد درع عروبتنا الشرقي، وبات عراقنا يعاني تطرفا إرهابيا ومذهبيا لا متناهيا، ولم يعد يمننا سعيدا، ولم تعد ليبيا واحدة كما كانت، وباتت في كل مدينة مجموعة تسيطر وتبيع النفط كما يحلو لها، وشامنا تستباح وتنزف يوميا من قبل إرهابيين مرتزقة نكلوا فيها وسرقوا نضارتها، واستبدلوا عطر ياسمينها برائحة الدم والقتل والدمار.
زمان كانت لغة الخطاب بيننا أكثر أخوة، أكثر حميمية وود، كنا نتألم لألم العراق دون أن نسأل إن كان المتألم شيعيا أو سنيا، نفرح مع لبنان دون أن نفرق إن كان سبب الفرح مسلما أو مسيحيا، نعشق الشام دون أن نسأل إن كان مطلق الفرح كرديا أو علويا، اليوم بتنا نسأل إن كان هذا شيعيا أو سنيا، حوثيا أو كرديا، إيزيديا او تركمانيا، مسلما أم مسيحيا.
لماذا انقلبنا على أنفسنا حتى بتنا شوفينيين قطريين طائفيين، فمن الذي زرع فينا كل هذا الكره للآخر، ومن الذي غير فينا ثقافة التسامح وتقبل الآخر، من أدخل في أدبياتنا وفي عقولنا وعلى صفحات تواصلنا الاجتماعي كل هذا الكره الذي نراه يوميا، من أحضر لنا من رمل صحرائه حقدا لا متناهيا وكرها بلا حدود، وزرع بين ظهرانينا قتلة إرهابيين شوهوا صورة الإسلام، يحزون الرؤوس، ويحرقون الأسرى، ويستبيحون المدن، وأقنعنا أن محاربة أولئك القتلة يجب أن تتم بالورد؟.
من الذي يريد إقناعنا أن الموصل يمكن أن تعاد دون حرب على الإرهاب؟ واقنع بعضنا بالدعوة لنصرة الموصل، باعتبارها تتعرض للقصف دون أن يقولوا لنا كيف يمكن إنهاء وطرد أولئك القتلة من الموصل وإعادتها الى حضن العراق. 
ترى من يريد أن تبقى حلب خارج سيطرة الدولة السورية ويريد أن يبقى الإرهابيون يعيثون فيها فسادا وتخريبا، يلوثون شهباء بيوتها، ويتآمرون على شامنا مع دول إقليمية ودولية.
ترى من أقنع بعضنا أن التمرد على الدولة وتقسيم أركانها أمر طبيعي، يدعم ويمد بالعتداد والرجال ونجد من يبكي على القتلة عندما يسقطون، وليس هذا فقط بل يريدنا مهاجمة من يحارب  أولئك الارهابيين، فيما يريدون منا التغاضى عن جرائم حرب حقيقية ترتكب في أماكن أخرى؟!.
بعد سنوات خمس مما عرف بربيع العرب، ألم يحن الوقت لنتوقف قليلا ونسأل، هل ما يزال الربيع ربيعا أم بات خريفا قاسيا تسقط فيه الدول وتتغير الحدود؟ ترى ألم تكن ليبيا أفضل قبل خمس سنوات، ألم يكن اليمن مستقرا، ألم تكن مصر أكثر رخاء مما هي اليوم؟ ألم يطرد العراق محتله الأميركي وبات يؤسس لدولته الديمقراطية؟ الم تكن سورية بلا ديون وبلا إرهابيين وتنعم برخاء اجتماعي (نقول اجتماعيا وليس سياسيا) أكثر مما هي اليوم؟.

التعليق