الموت يغيب عدي مدانات صاحب القصص التشيخوفية المدهشة

تم نشره في الجمعة 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

عمان-الغد- غيب الموت أمس، الأديب الأردني عدي مدانات، بعد رحلة طويلة مع الكتابة والإبداع.
مدانات، الذي ولد في العام 1938 ودرس الحقوق في جامعة دمشق، وهو من الأعضاء المؤسسين لرابطة الكتاب الأردنيين، نشر خلال رحلته مع الكتابة العديد من الإصدارات في مجالي القصة والرواية، بدءاً من العام 1983، وأهمها "المريض الثاني عشر غريب الأطوار"، "صباح الخير أيتها الجارة"، "الدخيل"، "ليلة عاصفة"، "شوارع الروح"، "تلك الطرق"، "الآنسة ازدهار وأنا"، وله أيضا دراسات نقدية وتحليلية، وحاز على العديد من الجوائز والتكريمات.
تمتلك روايات مدانات تلك السردية المميزة التي تحفر في حياة افراد وجماعات عاديين كاشفة عن وجعهم وآلامهم في عراكهم مع الواقع المثقل بتلك التحولات العصيبة.
فمثلا، في رواية الأخيرة "الآنسة ازدهار وأنا"، اختار مدينة عمان فضاءات لروايته، وصور فيها احداثا مشبعة بتراكيب المكان وسلاسة الحوارات والافكار البليغة مزنرة بعذوبة الاسلوب المعهود في قدرات مدانات على معاينة دواخل انسانية ترنو الثبات على المواقف والعيش الهادئ في سكون وطمأنينة بمواجهة تحديات جسيمة.
يصوغ مدانات مناخا روائيا عذبا مجبولا بهموم شخوصه الآتية من وقائع مزدحمة بالتفاصيل والاحداث التي تتدفق من ذاكرة فطنة لتلقي بظلالها على احداث معاصرة جرت معالجتها بسلاسة ووضوح ادبي بديع يلفت فيها الى تلك اللمسات والأحاسيس الإنسانية الدافئة.
بدت في الرواية قبسات من الحنين والشغف والرؤى والأفكار النضرة التي تنأى عن الافتعال واختلاق المواقف، وهي تختصر اشكالا من حالات الوحدة والتعاضد الانساني يبسطها مدانات في سردية متوازنة دقيقة في اختيار المفردات تعاين حالات شخوص واماكن على ايقاع من حراك الاحداث المليء بالقتامة والمعاناة، الا ان مدانات يعمد في اكثر من موقف الى صوغ شخصياته بأحاسيس مشبعة بالأمل والقدرة على الانعتاق من قيود هذا الواقع الصعب
يستعيد مدانات الذي يعتبر من بين مؤسسي رابطة الكتاب الاردنيين في حقبة العقد السابع من القرن الفائت، انتاج لغة جديدة يصطحبها بشغف مع حراك شخوصه ليصل فيها الى آفاق رحبة في الكتابة الروائية.
الراحل، وفي كتابه "فن القصة: وجهة نظر وتجربة"، يؤكد تعلقه بالقصص المكتوبة والمروية منذ الطفولة، وقبل أن يتعلم القراءة. ويضيف "لا غرابة في ذلك، فقد كان والدي يحضر لي القصص المصورة ويبسطها أمامي ويقرأ ما تيسر، وكانت والدتي، وأحياناً جدتي لأبي، تقصّان عليّ القصص التي تحمل في طياتها
عظات حسنة، ولكنها تحمل أيضاً قدراً من الإثارة، ما جعلني أفتن بالقصص وأتشوق إليها".
ويضيف "لأنني أحببت قراءة القصص، فقد أكثرت منها، وهذا ما جعلني أرى في حياة الناس قصصاً منثورة، شبيهة بالقصص المكتوبة، كما أرى في الناس شخصيات قصصية، كتلك التي تعرفت عليها في الكتابات القصصية، والعكس صحيح. استهوتني تلك العادة ودفعتني، عن قصد أو عن غير قصد، لملاحظة كل علامة فارقة وكل ظاهرة إنسانية وكل سمة بشرية مميزة ومقارنتها بما قرأت، أو البحث في ما قرأت عن تلك الملامح والصفات الفارقة".
ويؤكد أن عاداته تلك في ملاحظة الحياة في جريانها، بعمومها وتفاصيلها، والتمادي بمقارنة ما يجمعه من ملاحظات بما قرأ، أدى إلى نمو رغبة جارفة لديه في القص بوقت مبكر".
ويلفت إلى أنه أصبح يقارن ما يقرأه بما يحدث في الحياة أو العكس. ويضيف "صرت أميز بين القصص الحافلة بالحياة وتلك التي تخلو منها، أعني تلك التي تستعيض عن الحياة المعاشة ونبضها ودفئها بالأفكار الباردة الجاهزة، فأحب الأولى وأنصرف عن الثانية. كنت أقرأ وأصدق أن الشخصيات التي قدمها الكاتب هي تلك التي أصادفها وأعرفها، وأن الأحداث التي ساقها وأحوال النفس التي كشف عنها، إنما يحدث مثلها في الواقع، وأنها على هذا القدر من الخصوصية والغرابة أحياناً، فالحياة ليست نمطية تماما".
الناقد الراحل د. احسان عباس كان قدم دراسة حول مجموعة "صباح الخير ايتها الجارة"، الصادرة ضمن الأعمال الكاملة للراحل، مبينا أن ما جذبه فيها "اخلاصها للمفهوم الذي تمثله القصة القصيرة بين الفنون الادبية الاخري. فهي قصص لم تنحرف نحو الشعر، ولم تصعد علي جناحٍ كسيرٍ من مبني الرواية، ولم تمتلئ بفيوض اللاوعي، ولم تقف عند حدود اللوحة، ولم تحاول ان تتصدي لقضايا كبري موهمة انها تستطيع احتواءها".
ويؤكد أنها "قصص بسيطة واقعية في منزعها، تشيخوفية في طابعها العام، ومعظم شخوصها طيبون بسطاء، المعلم المخلص، والشرطي المتعاطف مع الناس، والمحاسب الامين، والموظف ذو الطموحات المعقولة، والمجرم المحبوب، والزوجة الوفية، والاخيرة من بين هؤلاء هي النموذج الاعلي لدي المؤلف نفسه، وتمثلها نوال بطلة قصة المستأجر اول قصة في المجموعة، فهي تدرك ابعاد الحياة التي تحياها مع زوج ابله، كما تدرك ما ينقصها بسبب تلك الحياة، ومع ذلك فهي مصممة علي ان تظل تمثل الصدق والنبل والتضحية فلا تسمح لرغبة طارئة ان تخرج بها عن الخط الذي رضيته لنفسها".
ويلفت إلى أن هؤلاء الشخوص يشغلهم الهمّ اليومي، ويقنعون بالمتع البسيطة، ويحبون الحياة الاسرية الهادئة، ولا يفلسفون نظرتهم الى الاشياء، وان خامرتهم بعض الاحلام في تمنياتهم، تملؤهم بالغبطة ساعات الشروق، ويحس الواحد منهم مع طلوع الشمس كل يوم كأنه يبدأ حياة جديدة، ينتمون الي قطاع اجتماعي متقارب العناصر ولا يحسون باي تفاوت طبقي، ولهذا لم يحتج القاص ان يسلط علي بعض شخوصه سيف النقد، ولا ان يلجأ الي السخرية من المتنفّذين والاغنياء المغرورين ومنتحلي العظمة. ومشكلاتهم هي مشكلات الانزلاق عن القاعدة الايجابية المألوفة دون ان يظن انها كذلك. تتميّز اكثر قصص المجموعة بتسلسل طبيعي، وتأتي التحولات المفاجئة غير مصحوبة بهزّات عنيفة .
القاص يوسف ضمرة يقول إن عدي مدانات، هو القاصّ العربي الوحيد الذي يشعرك بالمتعة والرعب، وهي مفارقة لا تتوفر عليها قصص الكاتب العادي، غير المعني بكل ما يتعلق بالحياة البشرية من قيم وهواجس واحلام وافكار.
ويبين أن الغريب في الأمر هو ان عدي مدانات يفعل ذلك كلّه بالقاريء في هدوء تام، ومن دون ضجيج، وكأنه يشبه ذاته في اختيار كلماته برويّة واناة، لئلا تسير الامور في طريق اخري غير المقصودة .
ويلفت ضمرة إلى أن إصدارات مدانات تبدو قليلة من حيث الكمّ، مبينا أن ذلك ما يحرص عليه، "اي ان يكتب ما يشعر انه قادر علي تحريك اعماقنا، اثارتنا، ودفعنا للتفكير في حيواتنا التي قد تبدو ظاهرياً علي ما يرام".
ويؤكد أن عدي مدانات ينبهنا الي حقيقة مؤلمة، وهي اننا نُمضي حياتنا جاهدين لابراز الصورة التي شكّلها لنا الآخرون. وهو ما يتطلّب منّا جهداً مضاعفاً لاخفاء عالمنا الداخلي، وملامحنا الحقيقية، وعندما نكتشف ذلك، نصاب بارتجاجٍ نفسيٍّ.
ويبين ضمرة أنه من الصعب ان نحيط بعالم عدي مدانات القصصي بشكل تفصيلي ودقيق، إلا أنه يحدد العناصر التي يرتكز عليها الكاتب في بناء عالمه الفني وهي التفاصيل الدقيقة، والحكي ـ او تراجع الحكاية لصالح الحكي، والحوار الخارجي والداخلي، والحافز، مع التركيز على ضرورة النفاذ الى الجوهر الانساني.
من جهته، يؤكد القاص والروائي هاشم غرايبة في تقديمه للأعمال الروائية للراحل، أن مدانات يمتلك سردا يبعث على التساؤل والحيرة، بقدر ما يهبنا متعة القراءة والتأمل، ونحن امام كاتب شغفنا بقصص تشيخوفية رائعة. ولكنه في عالم الرواية يشتق نسقاً مختلفاً عمّا ألفناه في قصصه القصيرة، رواية الدخيل ورواية ليلة عاصفة روايتان جديدتان ـ بمعنى مختلفتان ـ يذهب فيهما عدي مدانات الي المناطق الجوّانية في اغوار شخوصه، ويطلقهم في شوارع عمان ليوائم بين عالمهم الداخلي وعالم المدينة الخارجي.
ويبين أن الحسّ الانساني العميق ورهافة الروح الانسانيّة في حالة اصطدامهما مع العالم الخارجي القاسي، المتمثل بشوارع منتصف الليل ودوائر الشرطة، والحوانيت المغلقة، والافق المسدود، او تلك الحالة المتمثلة بعالم داخلي مضطرب للعائلة، يمتد اضطرابها الي العالم الخارجي العاصف. هاتان الحالتان تلتقيان عند ثيمة اساسية تشكل مفصلاً مهما في بعض أعمال مدانات، وهي الروح ، ولكن ليس بالمعني اللاهوتي لهذه الكلمة، بل بمعني نبض الاشياء والناس والاماكن التي تنظم الحياة بحلوها ومرّها.
ويؤكد أن "عدي مدانات سارد متميّز في القصة والرواية، وفي روايتيه هاتين يخوض تجربة جديدة في الرواية العربية يغاير بها المألوف، ويذهب بنا الى الهامش ليجعله متناً وللزوايا المعتمة فيضيئها، ويجعل القريب بعيداً والمختلف مألوفا".

التعليق