استعدادا لمواجهة ‘‘غزوة‘‘ المناهج: التربية في مواجهة التطرف (2 - 3)

تم نشره في الاثنين 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • الدكتور ذوقان عبيدات-(أرشيفية)

الدكتور ذوقان عبيدات

التربية وسلوكيات المتطرفين

تحدث كثيرون عن سلوكيات المتطرفين: النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والدينية، ولكن يقتصر حديثي هنا على السلوكيات التي تتصل بالنتاجات التربوية بشكل مباشر.
1 - المتطرف شخص غير متوازن، متقلب، ملحاح، مثابر، عنيد يخاصم بسرعة، يصادق بسرعة. 
2 - يصنف المتطرف العالم الى عالمين متناقضين: عالمه الحقيقي بكل ما فيه من قيم وحقائق صحيحة، والعالم الآخر بكل ما فيه من عيوب وأخطاء.
إن أسوأ أنواع التفكير هي التفكير الثنائي: إما.. أو، لقد قيل في الحقائق، إن الحقيقة الفردية أشبه بحماس الدائرة، يصيبها أو يلامسها في نقطة واحدة، ويبتعد عنها ويقترب منها، وقال الفلاسفة المسلمون كثيراً في أن كل حقيقة فردية تحمل بذوراً من الخطأ، وأن كل خطأ يحمل بذور صواب!!
والسؤال: ما المنهج التربوي الملائم لمواجهة هذا التطرف؟ هل نقول له: هذه هي حقائقنا، وهذه أخطاء الآخرين وكل شيء بين وواضح، فلا مجال حتى للحوار لأن حقائقنا ناصعة، وأخطاءهم فاقعة!!
3 - يموت المتطرف دفاعاً عن رأيه، وكما كانت مناهجنا تتغنى: قف دون رأيك في الحياة مجاهداً.. إن الحياة عقيدة وجهاد. ليست المشكلة هي أن نموت دفاعاً عن رأينا وحقائقنا، بل المشكلة: ماذا لو اكتشفنا أن رأينا كان خاطئاً بعد أن متنا من أجله؟!
إن الرأي كائن حي نامٍ متغير متكيف، فما رأي مناهجنا؟ هل نعلم الموت من أجل رأي قد يكون خاطئاً؟ لقد مر بكل منا الكثير من الاحداث التي أثبتت أنه كان على خطأ، فلماذا نموت؟ من أجل رأي؟
4 - يشعر بأنه أستاذ ومعلم، وعلى الآخرين التعلم منه، فالأستاذ التقليدي يمتلك الحقيقة، لأنه شخص مثالي يؤمن بثبات الحقائق الكونية، ويؤمن بأنه هو وحده من يعرفها، وأن مهمته التاريخية بل والإلهية هي أن يعلم الآخرين.
والآخرون متعلمون، لا يعرفون الحقائق، وإن واجبهم تعلمها من الأستاذ في جو من القبول والطاعة. فالأستذة هي امتلاك الحقائق، وعدم الحاجة الى حقائق جديدة.
والتلمذة هي السعي نحو الحقائق بحثاً عن حقائق جديدة، يظن الاستاذ انه وحده يعرفها، وانه لا يثق بغيرها، بل ويرفضها.
والمشكلة هنا ليست في الاستذة والتلمذة، المشكلة هي ان الاستاذ يعلم ولا يتعلم، لأنه يثق فيما يعرف، وأن حقائقه ثابتة وصحيحة، وعليه فرضها على الآخرين ولو بالسلطة التي قد تصل حد السيف. إذن منهج الاستاذ ثابت صادق، من مرجعية صادقة لا تخدع. ولعل في هذا كشف السر عن غضبة الأستاذ من التغيير!! وتحريض التلاميذ على حرق الجديد!!
كان اليابانيون يشعرون أنهم أساتذة، فتخلفوا ثم شعروا بالحاجة إلى التلمذة، فتتلمذوا وتقدموا...
وانطلق العرب المسلمون أساساً على أنهم تلامذة، فتتلمذوا على يد الإغريق، فتقدموا وازدهروا وازهروا العالم، حتى شعروا بأنهم أساتذة، فانطلقوا بسيوفهم ليتعلم العالم، فاندثروا وتراجعوا...
أين مناهجنا من ذلك؟ تنمية الأستذة أم التلمذة؟
5 - والمتطرف يمتلك معايير ذهبية أو ماسية للحكم على أحداث معقدة، فيقول "ما وافق حقائقي فهو موثوق أمين ناجح، وما خالفها هالك لا محالة". يحدد حياته بخط مستقيم دقيق يفصل بين الصواب والخطأ، ويعتمد تفسيرات سطحية، له مرجعية ثابتة ليس مستعداً حتى لفهمها. يطبق الأحداث ويحكم عليها بموجب قناعاته الفردية، والتي قد لا تكون متصلة بأي مرجعية دينية! أو مرجعية فكرية أخرى.
فالدواعش مثلاً لديهم مقياس دقيق، يطبق في كل الحالات والظروف، فمن يدخن كافر، ومن لا تغطي وجهها كافرة، ومن تعمل وتختلط متزندقة، وهكذا.. .
إن هذه المعايير الدقيقة في الحكم هي التطرف بذاته، ومهما كانت صحة هذه المعايير، فلا معايير ثابتة لتقييم الأخلاق الإنسانية في كل زمان ومكان.
كيف إذن تقودنا مناهجنا إلى المرونة وفهم المتغيرات؟
إن المتطرف يمتلك خزانة من الحلول الجاهزة لكل مشكلات المستقبل، فيطبق معايير خزائنه على متغيرات المستقبل، وهذه ليست مشكلة!! المشكلة هي أنه لا يضطر إلى التفكير بحثاً عن حلول، وإذا تعقّد عليه أمر ما استسهل وسأل من هو أعلم منه وقد يكون هذا الأخير أشد جهلاً!
فالعقل جهاز غير مستخدم! وهناك تحريض على عدم استخدامه!
6- المتطرف يضيق الخناق على نفسه، ويشعر أنه سريع العطب وأن الحياة محدودة، وفانية بسرعة، وأن مهمته هي اجتيازها وفق معايير دقيقة، ولذلك لا يعرف قيمة لحياته ولا حياة الآخرين، وربما على العكس يتحول إلى "انغماسي" أو استشهادي، تقريباً لاختصار المسافة بين الحياة والجنة "من وجهة نظره".
والتضييق على الذات لا يكون بعبور الحياة الى الخلود فحسب، بل بالابتعاد عن كل أنماط الحياة من مرح وفرح وفن وجمال وتواصل.. إلخ.
إنه يؤمن بفلسفة الموت بدلاً من الحياة، وهذا ما يسهّل تحوله إلى ارهابي أو ممارس للعنف، يحشر نفسه في قضايا دقيقة. ويربط نفسه بمرجعيات تشجعه على الموت..
والمنهج التربوي مطالب بالاختيار بين مناهج الحياة أو مناهج القلق والتبرم والضيق والقناعة!
(٣)
التربية في مواجهة التطرف
هل يطلب من التربية مواجهة منتجتها الإرهابي، أم تغير أهدافها وأساليبها لكي لا تنتج تطرفاً أو إرهاباً؟
إن أدوات التربية هي: ثقافة المؤسسة التربوية، ثقافة المعلم، بيئة التعلم، نموذج الطالب المنشود، المناهج والكتب المدرسية، العلاقات داخل المؤسسة التربوية، العلاقات بين المؤسسة التربوية وغيرها.
 ولنبدأ بتحليل هذه الأدوات لمعرفة دورها المنتج للتطرف ودورها في مواجهة هذا التطرف:
أولاً: ثقافة المؤسسة التربوية: يتفق مربون عديدون أن دور المؤسسة التربوية ينحصر في أمرين هما:
المحافظة على التراث الثقافي الاجتماعي، ونقل التراث عبر الأجيال.
وليس هناك في قاموس التربية ما يشير إلى دور المدرسة في تجديد التراث أو تطويره أو تحديثه، بل على العكس تماماً، فإن أي معلم يتحدث خارج هذا التراث، يعتبر خارجاً ومخالفاً يستحق العقوبة.
فلا يستطيع معلم في درس العلوم مثلاً أن يتحدث عن سلوكات علمية بلغة تخرج عن المنهج، حتى ولو عن زرع الأعضاء، أو تنظيم الأسرة، وحقوق المرأة ومساواتها بيولوجياً بالرجل. كما لا يستطيع معلم التربية الوطنية أن يناقش موضوعات مثل صحة بعض التقاليد والعادات الاجتماعية مثل، الجلوة العشائرية والثأر وما يسمى جرائم الغدر- الشرف.
فالمؤسسة التربوية إذن محكومة بتراث المجتمع، فهي إحدى المؤسسات المجتمعية المحافظة الملتزمة، فكيف لها ان تناقش التغيير والابداع والشك والتجريب اذا كانت هناك قواعد تقول كل تغيير بدعة!!
هذه ثقافة المجتمع، وفي ثقافته ما يشير إلى الخضوع والسلطة وصوابية رأي المسؤول، وسلطة الكبير، وجهل الصغير، وحرمة المرأة شكلاً وصوتاً وحضوراً، والمدرسة محكومة بثقافة الجمود والرقابة والوسطية. وفي كل هذه الثقافة ينمو الحذر والخوف والتردد والشخصية السلبية. وهذه كلها ثقافة تنتج التطرف، فالسلبي شخص سهل الاستهواء، والخائف شخصية محبطة وكلاهما قد يجد إثبات الذات في التطرف.
 ما الحل إذن؟
يبدو الحل في تطوير أهداف المؤسسة التربوية لجعلها مؤسسة تؤمن بالحرية والتعددية والتجديد. ومناقشة تابوهات اجتماعية، لتكون مؤسسة قادرة عل تطوير التراث أو إيجاد تراث، يصلح لمواجهة المستقبل، فالمطلوب نقل أهداف المؤسسة التربوية لتكون صانعة للمستقبل، والمستقبل هو ثقافة حقوق، وحرية، وحل مشكلات بطريقة إبداعية ودون عنف.
والمطلوب أيضاً أن تفصل المؤسسة التربوية بين الخرافات والأوهام في تراثنا وبين ما ينفع لبناء مستقبل. فالمؤسسة التربوية تنقي التراث وتعززه وتسمح بمناقشته، ولا تحاسب من ينتقده تحت شعارات القداسة والصلاحية الدائمة على طريقة ما نفع أجدادنا لا شك هو الأنسب لنا!!
ثانياً: ثقافة المعلم
إن معلمينا - كسائر معلمي العالم - هم من الطبقات الاجتماعية غير العليا، ودون المتوسطة، وإن خيارهم للتعليم لا يعكس حريتهم ورغبتهم. ففي دراسة أميركية عن دوافع اختيار التعليم، أجاب المعلمون:
يوفر عاملاً قريباً من الأسرة، يوفر دخلاً أكثر مما حصل عليه آباؤنا، يوفر اجازات طويلة، ينقذ من أزمات المرور؛ حيث تبدأ المدرسة العمل مبكراً وتنتهي مبكراً.
وفي تحليل الدراسة أن المعلمين لم يجدوا فرصة أخرى بسبب عدم وجود أشخاص مهمين في أسرهم يقودونهم الى اعمال اخرى.
وإن معلمي الأردن لا يختلفون، فالذكور من بيئات اجتماعية دنيا والاناث من بيئات متوسطة أو دنيا. وندر وجود معلمات من أسر متنفذة، بينما يستحيل وجود معلمين ذكور من هذه الأسر.
في هذه الحالة، فإن المعلم اقل تقدماً اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، من كثير من الطلبة، بل إن بعض المعلمين يعبرون عن ذلك بأنه ناتج عن اختلاف ثقافة الاجيال، لا ثقافتهم وثقافة الطلاب، يضاف الى ذلك ان معلمينا قليلو الخبرة، حيث تبلغ معدل خبرة المعلم الأردني 11 سنة، قياساً إلى المعدل العالمي وهو 16 سنة.
إن معلمينا خريجو نظام مدرسي مغلق، ونظام جامعي مغلق، ومن بيئة اجتماعية مغلقة!!
ويمكن الإشارة الى انه محبط، كثير الشكوى، حيث نشاهد ونقرأ بصورة شبه يومية مطالبات من المعلمين بزيادة رواتبهم، او تحريض المجتمع على زيادة رواتبهم، علماً بأنهم يحصلون على رواتب وعلاوات تفوق أي موظف في الدولة.
نعم؛ نسمع شكاوى عديدة من المعلمين، ولا نسمع مثلها من موظفي وزارة الإعلام أو الشباب او الجمارك.. ان هذه الشكاوى قد تعكس ضعف انتماء وتوتراً واحساساً بإحباط!! فهل هذا يقود الى ثقة بالطلاب أو أهاليهم؟
إن المشكلة تزداد حين نعرف ان المعلم يدرس طلاباً من فئات اجتماعية تفوق فئته ثقافة وحضارة.

التعليق