محمد أبو رمان

عربي القامة.. قرشيّ الحدّ

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:09 صباحاً

 لذكرى ميلاد الراحل الحسين بن طلال (14 تشرين الثاني 1935) مذاق خاص، مع هذه اللحظة الانتقالية المصيرية في تاريخ المنطقة وشعوبها وبلادها، في سياق متدهور متداعٍ لبنيان الدول والمجتمعات، وشكوك كبيرة حول الخريطة الجغرافية- السياسية في المنطقة القادمة.
 قيمة ما صنعه الحسين تظهر اليوم جليّة، وما أصبح يسمى في النقاشات الأميركية والغربية بـ"المعجزة الأردنية" (بسبب الاستقرار والأمن والصمود الاستثنائي وسط الإقليم المضطرب) لم تأت من فراغ، بل جاءت بعد عقود طويلة من مكابدة التحديات والأعاصير والتهديدات الوجودية الحقيقية، التي تعرّضت لها البلاد، منذ الخمسينيات إلى السبعينيات، إلى أن وصل الجميع إلى قناعة بأنّ مخططات إنهاء وجود هذا "الكيان السياسي" باءت بالفشل، وأنّ ما ظنّوه واهناً، أثبت صلابة وقوة وإصراراً على الوجود والبقاء، أكثر من أغلب الدول العربية.
 المعجزة الأردنية لن تكون موجودة أصلاً، لو لم يكن هنالك ملكٌ شجاع حقيقي، وسياسي محنّك، وقائد دولة بمعنى الكلمة، ولو كان هنالك شكّ صغير جداً بهذه الصفات لما كان الأردن موجوداً – في الأصل- حتى هذه اللحظة. لحظة! هذا ليس مقالاً إنشائياً، ولا بروتوكولياً بمناسبة ذكرى ميلاد الحسين، بل هو سياسي بامتياز في استنطاق الشروط السياسية التي تقف وراء نجاح الأردن اليوم في الاستقرار وعبور المحطات المختلفة بهدوء، وبقدرة هذه الدولة محدودة الموارد شحيحة الاقتصاد، التي استقبلت أكثر من أيّ دولة عربية أخرى المهاجرين واللاجئين، على الاستمرار والتواصل والإنجاز في ظروف استثنائية.
 من زاوية أخرى، إذا كنّا نبحث عن وسيلة لحماية جيل الشباب من الوقوع في فخ اليأس والإحباط، بسبب البطالة والظروف الراهنة، ثم يتحولون إلى داعشيين أو لا مبالين، إذ كنا نريد إنقاذهم وتحصينهم – قدر المستطاع- ثقافياً ونفسياً، فإنّ بناء ثقافتهم الوطنية التاريخية بصورة معمقة وصحيحة سيساعد كثيراً على صناعة مشاعر "الفخر الوطني" بآبائهم وأجدادهم ودولتهم، وعلى تزويدهم بالروح الإيجابية والطاقة البنّاءة.
 كان يقول الأمير زيد بن شاكر (لأصدقائه) أخشى أن يأتي جيل قادم لا يعرف كم قاتل الجيل السابق وحارب وصمد من أجل حماية البلاد، وليصلوا إلى ما وصلوا إليه، فيظن أنّ ذلك كله توفّر هكذا بدون عناء! لكن المفارقة أنّ نسبة معتبرة من المثقفين الأردنيين، الذين يتمتعون بكل هذا الاستقرار والأمن، وهم جزء من شعب ساهم في هذه الصناعة بصورة جديّة، وتعاونوا مع قادتهم في الوصول اليوم بهذه البلاد إلى مرحلة جيدة، بل استثنائية، مقارنةً بالدول العربية جميعاً، إذ أخذنا قاعدة النسبية (الموارد والموقع الجيواستراتيجي والظروف الاقتصادية والسياسية)، هم – أي أولئك المثقفون- أوّل من يشكّك بما "أنجزه وطنهم"!
 وعندما نعود إلى التاريخ – وإلى حقب الملوك السابقين؛ عبدالله الأول (التأسيس)، وطلال، ثم الحسين (البناء والتنمية والصمود)- تتبنى شريحة عريضة من المثقفين والسياسيين الأردنيين الروايات المعادية أو المشككة بتاريخهم وبصمودهم، في حالة بصراحة أقرب إلى المازوشية أو الشيزوفرنيا!
الحسين ظُلم، معرفيّاً، فلا توجد هنالك دراسات علمية موضوعية معمقة – إلى الآن- تحلل أسلوبه في القيادة السياسية، فأغلب ما نجده إما كتبا معادية له، وهي الأغلبية من كتب التأريخ العربي التي يتداولها المثقفون، أو كتبا سطحية محدودة، أو تاريخية سردية- وصفية، كما يدرّس في الجامعات والمدارس!
 فقط في الأردن تجد نسبة كبيرة تخجل من أن تفتخر بما أنجزه الوطن، كي لا تتهم من قبل الآخرين، بينما يمكن أن نتغزل بالآخرين، وحتى بالأموات، من جمال عبد الناصر إلى صدام، مروراً بأردوغان، وصولاً إلى بشار الأسد وحسن نصرالله!

التعليق