عيسى الشعيبي

الجماهير "الغفورة"

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:05 صباحاً

العنوان أعلاه مسجل للأخوين رحباني، وقد اشتقّاه من جناس اللغة في احدى المسرحيات الغنائية (المطاليب) وذهب بعد ذلك طرفة شائعة بين الناس، عندما قال أحد شخوص المسرحية لزميله: إنه يخشى أن تخرج الجماهير "الغفيرة" ضده، فرد عليه الآخر مصححاً القول: إنها الجماهير "الغفورة" يا صاح، موضحاً له أن الجماهير لها ذاكرة السمك، سريعاً ما تنسى الخطأ وتسامح وتغفر للمسيء بحقها، بعد برهة قصيرة.
وذات مرة حاولت، بشيء من الوجل، التشكيك بصحة المفهوم المهيمن على الأذهان العامة، ومفاده أن "الجماهير دائماً على حق"، إلا أن سطوة هذا القول الرائج منذ عشرات السنين، حملتني على تجنب نقصه بالكامل، فكتبت ملطّفاً من حدة الاستنتاج قائلاً إن الجماهير ليست دائماً على حق، وذلك عندما شاهدت عشرات ألوف اليمنيين تخرج تأييداً للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، الذي تتهمه الأمم المتحدة بسرقة نحو 70 مليار دولار من قوت شعبه الفقير على مدى ثلث قرن.
يومها صحح لي أحد المتابعين المهتمين جانباً من ذلك الاستنتاج، حين أعاد الى الذاكرة حقيقة أن الفقر والجهل والأمية المستوطنة في اليمن، ناهيك عن القبلية ضاربة الأطناب، يمكن أن تفعل ما هو أسوأ من المناداة بحياة الرئيس المخلوع، والهتاف له تحت الشعار الأثير على قلوب الدهماء "بالروح بالدم نفديك يا زعيم"، بدليل قتالها حتى الموت دفاعاً عن الرجل الذي يعرف كيف يرقص على رؤوس الأفاعي، تماماً على نحو ما يحدث منذ أشهر مديدة في أقصى جنوب شبه الجزيرة العربية.
وإذا كان الفقر والجهل والأمية سبباً منطقياً لتفسير ظاهرة الجماهير "الغفورة" في اليمن على سبيل المثال، فما بالنا مع الجماهير الأميركية التي صوتت بالملايين لصالح دونالد ترامب، ووضعت بين يديه مفاتيح قوة الدولة العظمى الوحيدة، مع أن هذه الجماهير لا تشكو من فقر أو جهل، ولا تصل فيها الأمية الى نسبة 80 %، كما هو الحال في اليمن، الذي لا يعرف اليمنيون أنفسهم  متى كان بلدهم سعيداً بالفعل؟
في الحالة الأميركية المتجلية مؤخراً، فإن كل من أساء لهم المرشح الرئاسي خلال حملته الانتخابية المبتذلة، وكل من توعدهم بالويل والثبور وعظائم الامور، غفروا له على الفور، ثم انتخبوه زرافات ووحداناً، رغم علمهم المسبق بأنه يكرههم بالفم الملآن، ويعاديهم على طول الخط المستقيم، الأمر الذي يشجع على الاستنتاج القديم، وبصورة أشد ثقة هذه المرة، أن الجماهير كثيراً ما تضِل السبيل، إن لم نقل إنها نادراً ما تكون على حق.
اذ بحسب المعطيات المتاحة عن المصوتين في انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة، فقد صوتت له النساء اللواتي أهانهن دونالد ترامب بفظاظة، وكثير من السود، وكذلك المسلمون الذين أعلن المرشح الرئاسي عزمه على منعهم من دخول الولايات المتحدة، ناهيك عن ذوي الأصول اللاتينية الذين توعدهم  بالطرد، فكان هؤلاء جميعاً، كمن صبّوا أصواتهم لصالح العنصرية الجديدة، ووضعوا أنفسهم في مرمى سلسلة من القرارات والتدابير الانتقامية، المرجح سلفاً اتخاذها من جانب رئيس متحرش ومخادع وعدواني على رؤوس الأشهاد.
وهكذا، فإنه اذا كان من الممكن تبرير "سيكولوجية" الجماهير "الغفورة" في الحالة اليمنية، بإحالتها على العوامل الرئيسة المكونة لها (الفقر والجهل والأمية)، فكيف لنا أن نتفهم هذه "الشيزوفرينيا" الأميركية، التي يحار المرء في تقبل مخرجاتها، لا سيما ونحن أمام مجتمع يبدو نموذجياً من وجهة نظر أغلبية الشعوب، الطامحة إلى الوصول لعتبة بلاد القانون والدستور والحرية والفرص والديمقراطية، إذا كان هذا المجتمع بعينه يضل سواء السبيل على هذا النحو الذي لا يمكن تسويغه؟
بين هذين المثالين الصارخين في بلدين يقفان على حد النقيض، بين التخلف والتحضر، وهما اليمن والولايات المتحدة، ناهيك عن أمثلة أخرى أقل أهمية، فإنه يمكن الجزم بأن مقولة إن "الجماهير دائماً على حق" قد سقطت سقوطاً مدوياً، ولن تقوم لها قائمة بعد اليوم، حتى إن صحت في بعض الحالات التاريخية، التي لا يمكن إعادة إنتاجها من جديد، الأمر الذي يمكن اعتباره بمثابة بشرى سارة للحكام المستبدين، الذين يخشى أن يمدوا لنا ألسنتهم بعد اليوم، قائلين إنهم هم من كانوا دائماً على حق.

التعليق