الحصول على التمويل: التحدي الأكبر

تم نشره في الأربعاء 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • دولارات أميركية - (أرشيفية)

سهل العنابي*

ما زالت التنمية ومحاربة الفقر وتوفير فرص العمل الهاجس الأكبر لدى الدول النامية كافة وحتى المتقدمة.
ويستمر عائق الحصول على التمويل في هذه الدول هو التحدي الأكبر للحكومات وكذلك الاعمال.
ورغم أن هناك ادخارا سنويا يتجاوز 20 تريليون دولار وهي موارد كافية لسد احتياجات التنمية؛ إلا ان استخدام هذه الموارد وحتى الوصول إليها يحتاج للكثير من التطوير والتناغم وحسن التوظيف والإدارة.
من التحديات التي ما تزال تواجه صانعي السياسات ومتخذي القرارات توظيف هذه الاموال في القطاعات والمبادرات المهمة وذات الاولوية، بالإضافة الى تحسين وتطوير السياسات والاجراءات والادوات التي من شأنها تحقيق اهداف التنمية ومحاربة الفقر وتوفير فرص العمل.
بناء على ذلك؛ من الأهمية بمكان؛ أن تكون السياسات والاجراءات التي تحكم عملية التنمية متناغمة وتدور حول مصادر التمويل والتي تعتبر العنصر الرئيسي في العملية التنموية؛ فالعملية التنموية بحاجة الى مصادر مالية كبيرة سواء من ناحية مشاريع البنية التحتية او حتى تمويل المؤسسات أو المشروعات الصغيرة.
ان خيارات الدول في التمويل التنموي تتدرج من استقطاب مصادر اموال جديدة، أو إعادة توزيع الأموال الحالية نحو المشاريع التنموية والتنمية المستدامة، وتطوير تشريعات وقوانين تساعد على الحصول على التمويل وتحسن من الاستقرار المالي وتوفير بيئة مشجعة للاستثمار والتنمية، وكذلك بناء القدرات والاستفادة من تجارب الآخرين.
لا يوجد تعريف متفق عليه للتمويل التنموي؛ ولكنه التمويل الذي يمنح للمشروعات والمبادرات التنموية لتحقيق اهداف تنموية.
هناك اربعة مصادر او انواع للتمويل التنموي؛ وهي التمويل العام (الرسمي أو الحكومي) المحلي والتمويل الخاص المحلي والتمويل العام الدولي، والتمويل الخاص الدولي.
ومن الجدير بالذكر هنا ان الكثير من الحالات تتوجب تكافل الجهود للوصول الى تمويل مصدره الشراكة ما بين القطاع العام والخاص والمحلي والدولي بسبب ضخامة وأهمية بعض المشروعات.
اما الحاجات التمويلية فهي متنوعة وكثيرة؛ فمنها ما يكون بسيطا مثل حاجات الغذاء ومحاربة الفقر وتحسين مستوى التعليم والصحة وتوفير مصادر طاقة رخيصة وذات استمرارية.
أما الحاجات الاكثر تعقيدا منها تطوير البنية التحتية مثل المياه والاتصالات والطاقة والطرق وشبكات الامان الاجتماعي وتطوير المناطق النائية والريفية ومشاريع المناخ والبيئة وبعض المشاريع الكبرى المتعلقة بمحاربة الجوع والبطالة على مستوى وطني او اقليمي او المشاريع التي تتعلق باللاجئين وغيرها من المشاريع.
كما وتختلف هذه الحاجات وكلفة تمويلها من بلد الى آخر ومن حالة الى اخرى.
ويعتمد حجم تدفق أو تركز مصدر التمويل على طبيعة الدولة المعنية والمشروع؛ فمثلا مصدر التمويل الاكبر في الدول المتقدمة هو التمويل الخاص سواء المحلي أو الدولي من خلال الاستثمارات في حين في الدول النامية يأتي التمويل العام الدولي على شكل برامج المساعدات الانمائية هو الأهم.
وتلعب الحوالات دورا مهما في تدفق التمويل في معظم الدول مع زيادة أهميتها في الدول النامية.
كما وتلعب مصادر تمويل اخرى دورا مهما في بعض الدول وخاصة مصادر التمويل العام المحلي مثل الضرائب او الدعم الحكومي لبعض القطاعات مثل الزراعة او الصناعة او حتى الدعم الحكومي لبعض السلع يعتبر مصدر تمويليا مهما.
بالإضافة الى ذلك؛ بدأت الحكومات النامية بإصدار ادوات دين مثل السندات او الصكوك للحصول على مصادر تمويل سواء محلية او دولية وبحسب الحاجة والعملة والكلفة.
أما القروض المصرفية فهي الاكثر انتشارا في التمويل الخاص المحلي إذ تلعب البنوك وخاصة في الدول المتقدمة دورا مهما في التمويل التنموي، الا انه تمويل قصير الاجل يناسب بعض المشاريع والحاجات.
بالإضافة الى ادوات الدين التي باتت تأخذ مكانة كمصدر تمويل تنموي سواء الادوات السيادية (الحكومية) او التي تصدرها الشركات الخاصة ذات المكانة المقبولة.
وظهر دور المستثمر المؤسسي مثل الشركات الكبيرة او صناديق التقاعد او الضمان الاجتماعي والتي تستثمر اموالها غالبا من خلال الاسواق المالية او الاستثمار الرأسمالي المباشر.
أما برامج المساعدات الانمائية والتي تشكل الجزء الاكبر من مصادر التمويل العام الدولية, فما زالت تلعب دورا مهما كمصدر للتمويل التنموي وتحقيق اهداف التنمية ويقاس حجمها تقريبا بثلثي مصادر التمويل الدولية.
وتشكل تمويل التجارة والاستثمارات البينية مصدرا مهما من مصادر التمويل التنموية والتي من شأنها ليس مجرد تحقيق اهداف تنموية فحسب بل بناء احتياطيات العملات لاي دولة ايضا. يمكن لأي دولة تطوير رؤية او استراتيجية تتعلق بالتمويل التنموي واستخدام اداة او مزيج من الادوات لتحقيق غاياتها أو أهدافها. الاهم من ذلك، تطوير سياسات وتشريعات وبيئة استثمار جاذبة تتماشى وتتناغم مع استراتيجية التمويل التنموية وتساعد الادوات التمويلية في تحقيق غاياتها.
محليا في الاردن؛ الامر لا يختلف كثيرا عن النموذج مع وجود اختلاف بالظروف والموارد او المصادر التمويلية.
فالاعتماد الاكبر في التمويل التنموي في الاردن على برامج المساعدات الانمائية الدولية (التمويل العام الدولي) والتي تتمثل في تقديم دعم فني من خلال جهات او خبراء مع وجود بعض نوافذ التمويل او ضمان القروض للمساهمة في الحصول على التمويل. كما وتلعب الحكومة (التمويل العام المحلي) دورا مهما كمصدر للتمويل.
الا ان الاختلاف الواضح هو العمل على استقطاب الاستثمارات ومصادر التمويل الخاص الدولية وحتى المحلية في تمويل مشاريع التنمية، فالبيئة الحاضنة من قوانين استثمار وضرائب وغيرها لا تساعد في تحقيق هذا الهدف.
كما وأن محدودية موارد الحكومة في ظل الظروف الراهنة والمشاكل المالية والاقتصادية وارتفاع المديونية التي تواجهها، أدت الى الحد من الدور التنموي التي تقوم به الحكومة.
الا ان القطاع الخاص برز في الآونة الاخيرة في تمويل المشاريع التنموية من خلال شراكات في مشاريع تنموية تتعلق في غالبها بالبنية التحتية أو من خلال تمويل البنوك والمؤسسات المالية والصناديق الخاصة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما وأن ادوات الدين العام تلعب دورا مهما في التمويل التنموي في الاردن، الا ان الافراط في استخدامها أو عدم ادارتها بالشكل الصحيح والقريب له عواقب.
اما على صعيد التمويل المحلي الخاص؛ فتلعب ادوات التمويل الخاص من خلال البنوك والمؤسسات التمويلية والصناديق الاستثمارية دورا تنمويا كبيرا يهدف الى توفير التمويل المناسب للفئات الاجتماعية كافة من افراد وعائلات وشركات ومشاريع.
من الاهمية بمكان في البداية ان يتم تحقيق مستهدفات للتمويل ومن ثم ان يتم تقييم أثر التمويل او المساعدات ومدى تحقيقها للمستهدفات للوقوف على مدى صحة توظيف هذه الاموال في مكانها الصحيح وهل الفئة المستفيدة حقا استفادت من هذا التمويل سواء على مستوى تنمية الاعمال او المستوى المعيشي للأفراد.
 كما أن تقييم الأثر خلال كافة مراحل حياة المشروع يفيد في اعادة التخطيط والتوزيع والتوظيف للوصول الى الاستخدام الامثل.
الخلاصة في النهاية هي ان التمويل التنموي ليس فقط ادوات تمويلية ومصادر اموال. بل هو منظومة من الادوات التمويلية (ومصادر الاموال المحلية والدولية والعامة والخاصة) وغير التمويلية (تدريب وبناء قدرات) والتي تعمل ضمن بيئة جاذبة وممكنة من التشريعات والسياسات والإجراءات يتم توظيفها في قطاعات ومشاريع ذات الحاجة وتناسب وتحقق الاهداف التنموية.
أين نحن في الاردن هذا التطبيق؟ المعادلة الواقعية بسيطة جدا.

* خبير مالي ومصرفي وتنمية اقتصادية

التعليق