التكنولوجيا هي صانعة التاريخ

تم نشره في الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:08 صباحاً

تبعاً لذلك، تم تقسيم التاريخ البشري إلى عصور تكنولوجية: العصر الحجري، والعصر الحجري الجديد، والعصر البرونزي، والعصر الحديدي، وعصر الثورة الصناعية، والعصر التكنولوجي الحالي الذي يأخذنا نحو صنع تاريخ جديد. إن التكنولوجيا هي صانعة التاريخ، ويشكل الكمبيوتر والإنترنت والهاتف الخلوي والذكاء الاصطناعي الآن تاريخ العصر الجديد.
لا يدرك كثيرون ذلك، لأن بقايا المرحلة أو المراحل التاريخية السابقة تستمر في العمل في المرحلة الجديدة وتتداخل معها. وكما يقول الخبراء: تستمر ناقلة النفط أو الشحن العملاقة بالحركة لخمسة عشر كيلومتراً بعد أمرها بالوقوف، وتاريخ كل مرحلة أقوى بملايين المرات من قوة الناقلة، مما يجعله يستمر طويلاً في المرحلة الجديدة. فنحن لم نتخلص إلى اليوم، للأسف، من عادة الثأر التي كانت سائدة قبل قيام الدولة، ولا من الأوهام والخرافات اللاعقلية واللاعلمية الآتية إلينا من العصور السحيقة.
يقول الناس كلما برزت تكنولوجيا جديدة خارقة ليس لها مثيل في التاريخ، وهذا طبيعي. ونقول مثله اليوم عن التكنولوجيا الرقمية المتمثلة في الكمبيوتر والإنترنت والهاتف الخلوي والذكاء الاصطناعي وتجلياتها في مختلف قطاعات الحياة.
ولأن جيلنا نشأ في عصر تكنولوجيا الورق والقلم، وتكونت ثقافته وقيمه به، فإنه يرثي لضياع المعنى من الحياة على يد التكنولوجيا الجديدة. كان المعنى واضحاً في الفرد والمجتمع، لكنه صار الآن يغيب ويضيع في الفضاء "السبراني".
وكانت السيادة للقبيلة أو العشيرة أو المجتمع أو الدولة، ولكنها تنتقل بالتكنولوجيا الجديدة، إلى الفرد الذي لم يعد مربوطاً بها بعد أن وفرت التكنولوجيا الجديدة السيادة له بما لم يخطر على بال، من التسلية والمتعة والتعلم والتعليم... ولكنها كما يبدو لا تسد ظمأ الإنسان إلى المعنى أو للوصول إلى محطة، لأن ما تمده به سريع الزوال، والإنسان الجديد سريع الملل.
وبهذه النقلة يحل الفراغ النفسي والقيمي والثقافي محل الامتلاء، والسطحية في التفكير محل العمق فيه. وإذا أضيف إلى هذا الفضاء "السبراني" الفضاء الاستهلاكي الذي يحول السلعة إلى حاجة بالدعاية والإعلام البالغي القوة والتأثير، كما يقول إيفان إليش، أدركنا طبيعة الحياة الجديدة للإنسان المعاصر. لقد صارت تتنافس على أسره أو -على الأصح- على عقله وجيبه، قوتان بارعتان، هما القوة الرقمية والقوة الاستهلاكية اللتان لا تتوقفان عند النداء والاستحقاق، لدرجة تجعل المرء يعتقد أنه موجود لأنه يملك هاتفاً خلوياً... أو يتسوق.
كانت الفكرة في الماضي أهم من السلعة. أما اليوم، فقد صار الأمر بالعكس. وكان الإنسان في الماضي يعيش أو يموت من أجل فكرة. أما اليوم، فإنه يعيش أو يموت من أجل السلعة. صار الإنسان يُقّيم حسب الهاتف أو السلطة أو الخدمة أو الماركة.
شئنا أم أبينا، هكذا يتكون التاريخ. وعلينا الدخول في هذا العصر الجديد من أوسع الأبواب، وإلا بقينا مثل "طالبان" و"القاعدة" و"داعش"؛ بقايا من الماضي تعرقل التقدم في الحاضر وتغلق باب المستقبل.
قوتنا ومشاركتنا فيه تكون بالتعليم التكنولوجي الجديد، والابتكار والإبداع والمنافسة؛ فهذا هو العصر الذي سيقضي أبناؤه وأحفادنا حياتهم فيه؛ "فنحن جزء من هذا العالم المفتوح والعالم كله منخرط فيه" كما قالت جلالة الملكة رانيا في كلمتها عند إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، وأن المعرفة والابتكار التكنولوجي هما مقوما النجاح لأي دولة ولسنا استثناء لا نستطيع أن نكون نديين، أي كالذين قاوموا الثورة الصناعية في بريطانيا لأنها زلزلت طبيعة الحياة المعروفة فيها ولا ينفع البكاء على الأطلال.
لا يستطيع الدواعش العودة بالعالم إلى الوراء مهما بلغوا من قوة وسفك للدماء، لأن "داعش" نفسها تستخدم هذه التكنولوجيا. وسيعيش الناس في العصر الجديد ويتعايشون معه إلى أن تظهر تكنولوجيا جديدة خارقة تنقلهم إلى عصر آخر وحياة أخرى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الإنسان هو صانع التاريخ وادواته؟؟؟ (يوسف صافي)

    الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    بداية يعود التاريخ الى اهله وهم صنّاع ادواته استاذ عايش وإلا لما استعملت داعش وغيرها التكنوليجيا لاوبل اصبحت اداة مساعدة لممارستهم كما الغير (وهذا ماذيلت به مقالك ) من هنا يجب ان نفرق بين السلوكيات والأدوات المساعدة ؟؟؟حتى نلج ان الإنسان هو صانع التاريخ والحضارة حتى لايقع الإنسان أسيرا للمادة وزخرف الحياة وهذا سر انكفاء المبادئ والقيم والأخلاق والعقيدة حيث اشرت وكما شاركت التكنوليجيا برفعة من أجاد استعمالها كان هناك انحطاطا لمن اساء استعمالها وهذا ماجرى في كل العصور عندما سخّر الإنسان تلك الأدوات ؟؟؟؟ "ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم"