عيسى الشعيبي

مؤذن في مبنى الكنيست

تم نشره في الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:05 صباحاً

فعلها الدكتور أحمد الطيبي للمرة الثانية، وفي غضون سنة واحدة. وأين؟! داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث الملعب الذي أجاد فيه هذا المناضل الشجاع تسديد الضربات الناجحة في المرمى المفتوح أمام من اختاروا التباري مع الذئاب الإسرائيلية، وفق قواعد اللعبة وقوانينها السارية على جميع الأعضاء في المؤسسة التي منحت إسرائيل، وحدها في هذه المنطقة، حق الانتساب للديمقراطيات الغربية.
إذ وسط دهشة أعضاء الكنيست، وصدمة مشاهدي النقل المباشر باللغة العبرية، رفع العضو العربي المخضرم من على المنصة، الأذان في غير وقته المحدد، وأكمله حتى النهاية، ليثير بذلك موجتين متصادمتين؛ الأولى لدى العرب والفلسطينيين الذين هتفوا من سويداء قلوبهم باسم هذا المتحدي المبادر الخارق لناموس السياسة المهيمنة، والثانية لدى الإسرائيليين الذين أذهلتهم هذه الجرأة السياسة والمعنوية الهائلة.
في المرة الأولى، وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي، ترأس أحمد الطيبي إحدى جلسات الكنيست، بحكم كونه نائباً للرئيس. وما إن صعد وزير إسرائيلي يميني منصة الخطابة، وراح يلقي سيلاً من الاتهامات ضد الطيبي وغيره من الأعضاء العرب، حتى طالبه بالاعتذار. فلما رفض زئيف الكين وأبى، أمر الرئيس المؤقت حرس الكنيست بإنزاله من على المنصة، ثم أتبع ذلك بطرده خارج القاعة، في مشهد لا يصدقه جيل الآباء الذين كسر المحتلون أرواحهم ذات وقت مبكر من قيام الدولة العبرية.
وبالأمس القريب، عاود الطيبي تكرار السابقة على نحو أكثر دهاء، حين قدح شرارة من المقدّر لها أن تشعل حريقاً كبيراً، قد يتواصل لفترة طويلة مقبلة، بمشاركة آلاف الفلسطينيين هذه المرة، على خلفية قانون في طور المصادقة عليه داخل الكنيست، بات يعرف باسم قانون "إسكات الأذان"، كاسم حركي لقانون غير مكتوب، هدفه إسكات الصوت الفلسطيني على كل صعيد ممكن، بما في ذلك صوت المؤذن، وطمس معالم هوية الأرض التي "تتكلم عربي"، والمزروعة بنحو ستة ملايين مواطن، كأنهم أشجار زيتون عتيقة.
فهم الطيبي مغزى إسكات الأذان في هذه المرحلة التي تتزايد فيها الاعتداءات على المسجد الأقصى وعلى كل حجر في القدس، وأدرك مع غيره من أعضاء "القائمة العربية المشتركة"، لماذا يرغب بنيامين نتنياهو في إسكات هذه الشعيرة، التي تذكّر الإسرائيليين خمس مرات في اليوم بهوية هذه الأرض، وبحقيقة أن أصحابها باقون في ديارهم كالصخور القابعة على صدور ناكري حقوقهم الأساسية، الأمر الذي يجعل من رفع الأذان في حد ذاته رسالة يومية متكررة، أحسب أن اليمين العنصري الإسرائيلي أكثر من يفهم مضمونها.
وإذا كان طرد زئيف الكين من قاعة الكنيست مجرد معركة صغيرة حققت المطلوب منها وانتهت بانتهاء ظرفها الاستثنائي، فإن رفع الأذان من داخل القاعة ذاتها، من شأنه أن يطلق حرباً باردة متصاعدة الوتيرة، قد تخلق ردود أفعال شعبية، وتولّد حالة من التمرد على قوانين الدولة التي لا تعي نخبتها الفاشية المتغطرسة مخاطر إشعال حرب دينية لا نهاية لها، كون إسكات الأذان فيه مس مباشر بالعقيدة التي تعد الصلاة عمود أركانها الخمسة.
ولعل الاستجابة الأولية التي أطلقها تحدي أحمد الطيبي ضد مشروع قانون إسكات الأذان، وتجاوب المسلمين والمسيحيين معه، توضح بجلاء شديد أن المخاطبين بما تسميه إسرائيل تلويثاً للبيئة والحد من الضجيج، سوف يشاركون في هذا التحدي، كل من منزله، على أوسع نطاق ممكن، ربما من خلال رفع الأذان من فوق أسطح البيوت والعمائر، ومن على أبراج الكنائس، ومن كل مكان آخر، لدفع هذه الخطوة التهويدية الفظة عن بلادهم وعن حياتهم اليومية.
إذا لم تتراجع إسرائيل عن هذه الخطوة الهستيرية، وهو أمر محتمل، وتغلق هذه الصفحة السوداء التي تفوح منها رائحة الكراهية العنصرية والدينية، فإن من غير المستبعد أن ينقلب السحر على الساحر، حين يجد الناس المهانون جراء هذه الفعلة أن الاعتداءات الإسرائيلية قد تجاوزت الخطوط الحمر، ومست وتراً أشد حساسية من كل أوتار الصراع التي تعزف عليها إسرائيل، بما في ذلك وتر الوطن والعروبة والوطنية، في حربها التي لم تتوقف على البشر والشجر والحجر، لاسيما أنها مواجهة في متناول كل من تفتري عليهم مثل هذه الفعلة الآثمة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أفكار (يزن)

    الجمعة 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    هل تعلم أستاذي ان جمهورية أوزبكستان و هي جمهوريه الغالبيه العظمى من سكانها قد أسكتت الأذان قبل عقد من الزمن؟ و هل الأذان باستعمال المكبرات من أساسيات الاسلام و بدونها لن يستقيم الدين؟ أنا مسلم و لكني لا ارى ضرورة رفع الأذان باستعمال المكبرات.