إبراهيم غرايبة

الانبعاث الفلسفي

تم نشره في السبت 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:08 صباحاً

يبدو العنوان هنا وكأنه ردّ على محاضرة الأستاذ معاذ بني عامر، في مقر رابطة الكتاب الأردنيين يوم الثلاثاء الماضي، "الموت الفلسفي". لكنه مقال يكملها، ويكمل أيضا مقال يوم الأربعاء الماضي "عالم يحتضر وعالم يتشكل". فالموت الفلسفي بما هو غياب الوعي بالأسئلة الكبرى للكون والحياة، أو العجز عن التفكير فيها أو الانشغال عنها، أو عجز أدواتنا الفلسفية عن فهم واستيعاب العالم المتشكل؛ يؤشر إلى مرحلة هي "عالم يحتضر". ذلك أن فناء عالم "الصناعة" يعني نهاية الفلسفة المنشئة له والمستمدة منه أيضا؛ ففي هذه النهايات للأعمال والموارد والمؤسسات والأسواق والعلاقات والطبقات، تنتهي أيضا الأفكار المصاحبة لها. ثمة موت فلسفي بالتأكيد، لأن إنسان الصناعة ينقرض، وفي عبارة أصح تنقرض فلسفة الصناعة وليس الفلسفة مطلقا. وبطبيعة الحال، فإن فلسفة تنبعث مع انبعاث العالم الجديد!
لكن، لماذا يبدو ذلك لم يحدث بعد؟ ولماذا تراجعت الفلسفة لتصعد موجة هائلة وعاصفة من التدين؟ فالعالم كله، وعلى اختلاف أديانه، يبدو ممعنا في بعث ديني وليس في بعث فلسفي! ذلك صحيح وطبيعي أيضا، فالفلسفة تنشأ حول السؤال، والتدين ينشأ حول الخوف! وفي هذه النهايات العاصفة لعالمنا، يصعد الخوف، ويكون الدين إجابة حاضرة وبدهية وملجأ من هذا الخوف الذي يكتسح عالمنا اليوم؛ إذ يهيمن على الناس جميعهم اليوم خوف وقلق من المستقبل المجهول والمنقطع عن الحاضر والماضي، وتشكلاته التي تبدو مفاجئة لجميع الناس. وفي عجز الفلسفة عن الإجابة فإنها ترحل.
معظم الأعمال والمهن والأسواق والمؤسسات والموارد التي تبدو اليوم قائمة وسائدة، هي موضع شك في مصيرها وقدرتها على البقاء. لن تكون الأعمال والمؤسسات القائمة اليوم موجودة بعد سنوات قليلة، ولن تكون المدارس والجامعات والشركات والأسواق القائمة اليوم باقية كما هي بعد سنوات قليلة. لم يعد هذا الهاجس المستقبلي حديثا معزولا أو خيالا علميا، وقد عرضتُ من قبل تقارير للأمم المتحدة والبنك الدولي وكتبا ودراسات كثيرة تتحدث عن رحيل عالم من الأعمال والمؤسسات والمهن والأسواق، وتَشَكل عالم جديد في مهنه وأسواقه وموارده وعلاقاته وطبقاته.
وببساطة، فإن الإنسان تحكم مسار حياته ووجوده ومصيره ثلاثة محددات بيولوجية نفسية أساسية: البقاء، والخوف، والارتقاء. ولا يمكن الارتقاء إلا بتأمين البقاء ومواجهة الخوف والمهددات؛ فالإنسان يفكر في تحسين بقائه عندما يملك الوفرة في الوقت والموارد، ويؤمّن بقاءه واحتياجاته الأساسية. والفلسفة تعكس الارتقاء وتحسين البقاء، وصياغة أسئلة جديدة، أو التفكير في أسئلة مؤجلة، والبحث عن إجابة. هكذا نشأت الفلسفة في العصور القديمة والوسطى بعدما تطورت الزراعة، منشئة استقرارا وقرى ومدناً، ثم نهضت الفلسفة المعاصرة بعد الثورة الصناعية وأنشأت هذا العالم الذي نعرفه.
واليوم في ظل الخوف الذي يكتسح عالمنا الآيل للسقوط، والعالم المقبل غير الواضح، لم تعد الفلسفة قادرة على حماية وعينا بذاتنا ولا تشكيل وعي جديد، ولا نملك أيضا القدرة على انشغالات تتقدمها انشغالات البقاء ومواجهة الخوف على وجودنا وأعمالنا ومصائرنا. لكنها وبطبيعة الحال مرحلة انتقالية محدودة؛ إذ سوف تبدأ الموارد الجديدة بالتشكل، ومعها أسواقها ونخبها وأفكارها وفلسفتها. ولشديد الأسف، فإن "بومة منيرفا" (الحكمة) تحلق في الغسق؛ أي بعد انقضاء الأحداث... ما من حكمة تسبق الأحداث، وما من حكمة تستوعب أحداثا لم تحط بها.

التعليق