علاء الدين أبو زينة

سجون فوق الأكتاف..!

تم نشره في الأحد 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:07 صباحاً

في دراما عربية، يتحدث شخص بقوة مع رجل أفَّاق يهدِّد الناس الفقراء ويبتزهم متقمصاً صفة رجل أمن. لكنّ شخصاً حاضراً يحاول أن يُسكِت زميله الذي ثار لكرامته، ويذكِّره بأن جرأته قد تأخذه إلى السجن، فيردُّ الرجل بأن السجن هو شيء يحمله الناس في رؤوسهم.
مع أنَّ هذه الفكرة ينبغي أن تكون واضحةً وملقاة على قارعة الطريق، فقد لفتتني في لحظتها وكأنها اكتشاف. هناك، في السياق الدرامي، يخضع مجموعة من الناس لرغبات وسلطة المحتال الانتهازي الذي يسرقهم ويحدد حرياتهم باستعمال قوّة مُتصوَّرة، أي "يسجنهم" بلا أقفال ولا جدران. وتذكرتُ ما أعرفه عن الـ"بانوبتيكون"، تصميم السجن الذي وضعه الفيلسوف جيريمي بنثام في العام 1785، والذي يسمح لحارس واحد في برج بمراقبة مجموعة مساجين في زنازين، والذين لا يعرفون إذا كان هناك شخص في البرج أم لا. وبذلك، يخضع هؤلاء الأشخاص لقوة غير مرئية، ربما لا تكون هناك من الأساس.
في المجتمعات المتخلفة التي تكثر فيها أنواع السلطات، يكثر جداً عدد "المساجين" الذين يسيرون في الشوارع في هيئة أحرار، تحت مراقبة شيء في رؤوسهم. ولا يكون الانضباط في هذه المجتمعات محكوماً بحكم قانون واحد، وإنما يخضع الناس لخليط هلامي من القانون الرسمي الهلامي؛ والأعراف؛ والمعتقدات والأيديولوجيات؛ وسطوة مختلف أنواع الانتهازيين الماليين والسياسيين، الذين يساعدهم الموقع والنقود في ادعاء السلطة على مواطنيهم وتخويفهم واستغلالهم. وبالاستمرارية الزمنية وتكالُب هذه السلطات على الفرد، يصبح حمل "السجن" في الرأس فوق الكتفين طبعاً وعادة، وكأنه استقر في الجينات وجرى في الدم إلى الأبناء.
يتأمل الناس أنفسهم، في مجتمعاتنا المنتمية إلى هذا النوع غالباً، فيجدون المسافة هائلة في ما يرغبونه وما يفعلونه. ويشبه الوضع إصابة مستشرية بالفصام الفردي الذي أصبح اجتماعياً، حيث يجب أن يرتدي الفرد قناعاً يخفي حقيقته ويقمعها، ليكون مقبولاً لدى آخرين لا يقلون عنه فصاماً. ومع ذلك، لا بُدّ أن تتسرب مظاهر هذا الفصام، مثلاً في التبشير بشيء وعمل عكسه وممارسة سلوكيات متعارضة بشدة، حتى تصبح الصورة العامة مجتمعاً يدّعي الأخلاقية، لكنه يمتلئ بالسلوكيات غير الأخلاقية: مشاجرات؛ ابتكار قوانين شخصية أو فئوية وإعلائها فوق القانون العام؛ ازدراء الآخر وأفكاره وحقوقه؛ بروز الفساد والمحسوبية والاستئثار؛ انفصال بين الناس والناس وبين الناس والدولة.
في هذه الأجواء، يصبح تكوين ذات منسجمة تحت ضغط السلطات المتراكبة مرتقى صعباً، ويتطلّب التعبير عن الضيق جرأة قد تتسبب للفرد بالعُزلة والتغريب القسري على الأقل، إذا لم تذهب به إلى سجنٍ حقيقي. وحيثُ يُمكن، قد يجد الأفراد المتشابهون في التفكير أطراً جمعية صغيرة يعبرون فيها عن أنفسهم بحرية، والتي تضيق مساحاتها كلما اتسع "السجن" الاجتماعي وتعقدت جهات الرقابة. وفي حالةٍ تستحق الملاحظة، اتُّهم الجمهور العربي الذي حاول "الربيع العربي" بأنّه غيرُ مستعدٍّ بعدُ للحرية التي يطالبُ بها –أي أنه ما يزال يحملُ سجونه بين كتفيه ولا يعرف كيف يستفيد من الحرية. وفي الحقيقة، أسفرت هذه الحركة عن عودة الكثيرين بأرجلهم إلى سجون نفس السلطات التي يحاولون التحرر منها، وتخليهم عند أول منعطف عن مواطنيهم الذين قادوا الصفوف إلى خارج السجن.
في بعض الأحيان، تعلن السلطات السياسية عن منح الناس حريّة التعبير، بينما تعتمد على ضوابط فضفاضة تُعقِّد "الرقابة الذاتية" التي يمارِسها الأفراد على أنفسهم بحكم الاعتياد، أو "السجن في الرأس". وفي النهاية، سيضيع الفرد بين المسموح في القانون، لكنه ممنوع في العرف؛ وبين عمل المطلوب كشرط للحريّة والحقيقة، لكنّه يكشف في الطريق حقائق أشياء وأناس لديهم الآليات والأدوات لجعل كشف الحقيقة مستحيلاً... وهكذا.
سوف يُساعد الوعي والتأمل الذاتي النقدي، إذا توفرت أسس الممارسة النقدية، في تمييز الفرد –واعترافه- بالسجن الذي يحمله فوق كتفيه، والشروع أولاً في التخلص من سلطة الوهم التي تحكمه. وسيساعد أكثر تطبيق قانون واحد عادل وواضح كسلطة واحدة وحيدة. وفقط عندما يكثُر الذين يلقون بالسجون الفردية من رؤوسهم، -وأن يستطيعوا ذلك دون أن يُطاح برؤوسهم- سيكثر الأحرارُ وتتسع الفضاءات، وسيمكُن تنفس هواء الحرية والأمل في الطريق.

التعليق