جهاد المنسي

سياسيون وخطّابون!

تم نشره في الاثنين 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:03 صباحاً

تطالعنا الأخبار يوميا عن جاهة هنا وطلب عروس هناك، وعند استعراض الصور تفاجأ بأن الجاهة يحضرها رؤساء وزراء، ووزراء سابقون، ونواب وأعيان سابقون وحاليون، وساسة وقادة رأي، وإعلاميون، وحزبيون، فتعجب من حجم الحضور، ويقفز إلى الذهن فورا سؤال افتراضي عن تكلفة تلك الجاهة، وحجم الأموال التي صرفت عليها.
وبموازاة ذلك تسأل نفسك سؤالا بات ملحا، في ذهني على أقل تقدير، وهو كم المسافة التي تفصلنا عن إقامة دولتنا الحضارية والعصرية، التي تعم فيها قيم العدالة والتطور، وتغيب عن أركانها الحسابات الضيقة، التي تساهم في إعادتنا للوراء؟
أخبرني صديق يوما أن أحدهم ذهب إلى قاعة كبرى في عمان ليحجز لجاهة ابن له، وكان طلبه الغريب من إدارة القاعة أنه يريد رئيس وزراء ليطلب، يقابله رئيس وزراء يجيب الجاهة، معتقدا أن إدارة القاعة هي التي تؤمن حضور أولئك.
القصة تلك ليست من قبيل النكتة أو المزاح، بل إن صديقي كان قاطعا وجادا وهو يقول إن ذلك حصل فعلا، وإن صاحب الجاهة كان جادا في طلبه، وهدفه كان أن يري أهله وعشيرته قدرته على الوصول لشخصيات سياسية معروفة ووازنة.
أيعقل أن يصبح دور الرؤساء والوزراء والنواب والأعيان تصدر جاهات الخطبة بدل الذهاب لإلقاء المحاضرات السياسية والاجتماعية، يناقشون فيها واقعنا المعاش، ويقترحون حلولا لأزماتنا المتراكمة، ويضعون كتفا في بناء الأردن الحديث والعصري.
لست ضد تعزيز لحمة الأردنيين بعضهم بعضا، ولست ضد جمع الناس مع بعضهم البعض، ولكني أعتقد أن الأصل أن يلتقي الأردنيون لبحث قضايا مهمة تهم الوطن، وأن يتحدثوا في هموم الناس ومشاكلهم وما يعتري الوطن من مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية ورياضية وخدمية، ولكن أن يحضر كم هائل من الساسة لطلب يد عروس، وأكل صحن كنافة، ومن ثم يذهب كل إلى حيه، فإن في ذلك بهرجة لا يمكن تفسيرها بكلمة أخرى، وفيها ما فيها من انفكاك وعدم رغبة في تسليط الضوء على واقعنا المعاش.
أمر جميل أن يلتقي أصدقاء ومعارف وأصحاب في حفل خطبة لصديق لهم، وهو ما رأيته بأم العين في وقت سابق، عندما شاركت في حضور طلب يد عروس لصديقين لي في القاعة عينها، حرصا على دعوة معارفهم وأصدقائهم، فهذا هو الشكل الطبيعي والواقعي والمقبول للحدث، ولا يمكن نقده، بيد أن ما ينتقد هنا هو حرص البعض على أن يحضر رؤساء حكومات سابقون ووزراء حاليون وسابقون لخطبة لا تستمر سوى نصف ساعة أو أكثر بقليل.
سابقا، لطالما خرجت علينا وثائق وأعراف عشائرية إيجابية، تدعو إلى القسط في الأفراح، وتطلب من أصحاب الفرح عدم إطلاق أعيرة نارية، وعدم البذخ في تقديم المناسف وغيرها، واقتصار الدعوات على الحد الأدنى، وذلك شعورا مع العروسين وتخفيفا عليهما جراء تدني مداخيل الناس وضيق ذات اليد، وأعتقد أنه قد آن الأوان للنظر إلى موضوع الخطبة أيضا، والتي باتت تكلفتها توازي تكلفة حفلة الزفاف وربما تزيد!
ليس مناسبا البتة أن يتفرغ رؤساء وزراء سابقون ووزراء وأعيان ونواب لحضور هذه الجاهة أو تلك، فهذا كان سابقا من اختصاص رجال عشائريين ورجال دين، وليس رجال سياسة، فرجال السياسة لهم مكانهم وملعبهم، وعليهم التفرغ له سواء أكانوا في العمل العام أو خارجه، فهم مراقبون، يتوجب عليهم عدم التعاطي مع وقت تقاعدهم بهذا الشكل غير المفيد سياسيا، والذي يؤسس لثقافة جديدة على المجتمع، لا تساهم في بناء الأردن الحضاري الذي نريد.
نحن ببساطة نريد أن ننتقل من الشكل الحالي للدولة إلى دولة مدنية متقدمة، وهذا لا يمكن حصوله طالما الساسة لدينا قد قصروا مهمتهم على حضور الخطب والأفراح، وابتعدوا عن الغوص في الشأن العام.

التعليق