زليخة أبوريشة

اللاهوت والناسوت في تربية الأطفال

تم نشره في الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:05 صباحاً

لا ندري متى سيتمكّن الأطفال من التعرف إلى أنفسهم وإلى العالم من حولهم، لكي يكونوا قادرين فيما بعد على العلم والاختراع وتلبية احتياجات الحياة وخدمة البشريّة، إذا ما كانت التربية اللاهوتية بنسختها الشكلية الراهنة هي التي تطغى في البيت والمؤسسة الرسمية للتعليم ومجتمع الإعلام بما فيه دور العبادة، ومجتمع الترهيب والترغيب! فالإنسان لم يعرف عبر تاريخه نجاحاً للثقافة اللاهوتية وتعميمها، يخدم البشريّة، ويعينها على السيطرة على عناصر الطبيعة وحل المشكلات. بل العكس هو الصحيح؛ إذ عملت طوال عصور انتشارها وتسلطها على زيادة تفريخ الأزمات، لأنّ المساحة المتاحة في العقل البشري وفي وجدانه، إنما امتلأت بفقه العبادات والمحرمات، أكثر من تفعيلها لمواجهة الحياة بالتفكير الحر، ورفدها بالعمل البنّاء.
فاللاهوتيُّ، ثقافةً وتربيةً، غيرُ قادرٍ البتّةَ على تقديم شيء للبشرية زيادةً عما لديها من بنيانٍ أخلاقيّ، تواضعت عليه عبر عصورٍ من مجالدة الخطأ والصواب. إذ يذهب جُلُّ تفكير اللاهوتيّ وجهده إلى مقارعة المختلِف بالإيمان والثقافة، وتأثيمه وتهديده بسلسلةٍ طويلةٍ من أنواع العقاب، وسلسلةٍ أطول من اللذائذ والشهوات إذا ما التحقَ بقبيلة التكفير، وهذا لا يؤدي بالضرورة إلى اختراع طائرةٍ أو صمام قلبٍ تالفٍ يؤدي إلى إنقاذ حياة. إذ بينما الأوبئة تحصد الحياة على الأرض، تكون عُدَّة اللاهوتيّ الدعاءَ، أو اعتبار الكوارث التي تنجم عن الجهل أو التقصير أو القصد العمد عقاباً إلهياً للبعد عن الله!
يحشو اللاهوتيّ، ثقافةً وتربيةً، أطفالَه وأطفال مجتمعه، كما حُشِيَ هو من قبل، بالتفكير الغيبيّ الذي ينأى عن التحليل والتصنيف والاستنتاج وتشخيص المشكلة تشخيصاً ناسوتيّاً (نسبة إلى الإنسان) ومن ثمَّ اقتراح حلٍّ لها.. بل هو يؤكِّدُ في تربيته اللاهوتيّة أن الحلّ ليس في يد البشر، ولا يجب أن يكون. فشربُ ماءٍ معيَّن، ربما قد نفخَ فيه رجلُ دين، أو بُنيَت حوله أسطورة، هو ما يُشفي الداء العضال. وليس نكران كروية الأرض ودورانها، ونكران قدرة المرأة على سياقة السيارة مثلاً، وقصص الجنّ والعفاريت، والخوارق المنتظَرَة من مجرّد الدعاء، إلا أمثلةً على الابتعاد البنيويّ عن الاعتراف بإنسانيّة الإنسان، وقدرته على إدارة شؤون حياته الدنيويّة، التي يتولاها في أماكن متعددة في العالم اليوم، كما تولاها عبر التاريخ.
اللاهوتيّ الذي يحاربُ الناسوتيّ، لن يغلبه بحجّةٍ بليغة، بل بما أُنفِقَ على نشر أساطيره وتسطيحه الروحيّ القائم على ذخيرةٍ مهولةٍ من الكلام والطقوس والشتائم والتهديد والتحريض.. حيث يُعجن الطفل ويُشكّل ليكون أداة صماء عمياء منزوعة الرحمة، لاضطهاد المختلِفِ، بل أخْذِ روحه جهاراً وعلى شاشات جميع الفضائيات.
ذلك بالضبط ما يحدثُ لأطفالنا في هذه المنطقة من العالم. وذلك ما سيكونونه؛ لا بناةَ حياةٍ وازدهار، بل هُدّامَ قيمٍ ومعانيَ وأفكارٍ وأمكنة وأبنية وتاريخ وأخلاق.
فلنحاول أن نلوذ بالأمل..!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كالعادة (مهند)

    الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    إنك مقصودك المختبئ خلف ستار "اللاهوت"لا يعكس إلا فهم مغلوطا سطحيا جاحدا لحقيقته،
    فمقصودك لا يرفض البتة إعمال العقل وإستغلاله بل يشجعه ،ويضع سقفا لذلك وهو إرادة الله،حتى لا يشطط أحد في التفكير فيهوي إلى ما فيه دمار للبشرية
    بل وإن وضع السقف المتمثل بإرادة الله يصنع تفكيرا عميقا ينفد من وراء المادة ذاهبا إلى أعماق بعيدة جدا ،ويمنح الطفل الطمأنينة التي يحتاجها لينشأ سليما معافا من أسقام النفس ،التي يتجرعها من هم في بيئة المادة الضيقة المرعبة لأطفالنا ..
    وأنصحك أن تراجعي معلوناتك حول مقصودك ،وألا تخلطي بينها وبين اللاهوت الحقيقي .

    وأن تراجعي التاريخ أيضا لتقر عينك بأن مجتمعات" اللاهوت " كانت نبراسا للعلم لأن دينها من عند الله
  • »رائع (اسعد)

    الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    اتفق مع المعلقين , كلام في الجوهر لا يستطيع انكاره احد
  • »تعميم خاطئ (سلطان الشبلي)

    الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    المقال ينظر من زاوية واحدة وضيقة، عندما ينشأ أطفالنا على قيمنا الدينية الصحيحة لا المحرفة والمشوهة ترى اﻷثر في المجتمعات المسلمة مثل اندونيسيا وماليزيا.
    إذا اردتم العدالة حاكموا اﻹسلام على ما هو عليه لا على ما نسبته اليه الجماعات المنحرفة.
    بالعكس لولا ما تبقى من دين لدى الناس لهدم المجتمع اﻷردني.
    اللهم احفظ بلدنا وشعبنا.
  • »يعطيكي العافية (علي)

    الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    ارفع قبعتي أحتراماً لكي سيدتي فانتي تعملين لنشر النور في ظلام دامس لكن الطريق ما زال طويل جداً
  • »جرئ (منذر)

    الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    مقال جرئ فعلا وبالرغم من قصره ولكنه ملئ بالافكار البناءة.. يسلم قلمك الذي يدعوا لتفتيح العقل بعيدا عن ثقافة الاقصاء والخزعبلات...
  • »ابدعت (احمد مصطفى)

    الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    اما انك ابدعت فهذا صحيح ..
    ولكنك تحفرين في الصخر
    شكرا
  • »موضوع رائع للقراءه (جبرائيل)

    الثلاثاء 22 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    موضوع رائع وافكار يبنى عليها الكثير للتطور والتقدم , كل التقدير والاحترام للكاتبه