السوق النفطية ما بعد قمة الجزائر

تم نشره في الخميس 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً

لهب عطا عبدالوهاب*

تسمرت أنظار المراقبين إلى ما آلت إليه المداولات غير الرسمية للدول الأعضاء في منظمة أوبك والدول المنتجة خارجها والتي انعقدت على هامش منتدى الطاقة العالمي في العاصمة الجزائرية الجزائر خلال الفترة الممتدة بين 26 إلى 28 أيلول (سبتمبر) الماضي.
ومع استمرار التخمة النفطية جراء ما يعرف بثورة الوقود الصخري في الولايات المتحدة الأميركية بفضل التقانة الحديثة التي تم توظيفها والمعروفة بالتكسير الهيدرولوكي إضافة إلى الحفر الأفقي الثلاثي الأبعاد مكن الجيولوجيين والفنيين هناك من الوصول إلى النفط المكبوت (المضغوط) (tight- oil) بين المسامات بالرغم من الانتقادات التي توجه إلى التقانة المذكورة لعل أبرزها حاجتها إلى استخدام كميات كبيرة من المياه والرمال قد يفضي إلى تلوث الآبار والتسبب في زلازل (وقد رفضتها المملكة المتحدة مؤخرًا لهذه الأسباب).
وعزز من تخمة المعروض الذي يقدر حاليًا بين مليون ومليون ونصف برميل يوميًا سياسة أوبك الإنتاجية بزعامة السعودية وحلفائها في دول مجلس التعاون الخليجي (الكويت – الإمارات العربية المتحدة) من لعب دور المنتج المرجح "swing producer" كما كان يجري في السابق، إذ مكنت الطاقة الإنتاجية الفائضة لديهما العمل على الدفاع عن الأسعار من خلال خفض الإنتاج أو زيادته وفقًا لمتطلبات السوق. بيد انه بدءا من أواخر عام 2014 والتي شهدت هبوطًا حادًا في الأسعار من 114 دولارًا للبرميل إلى ما دون 30 دولارًا مطلع عام 2016، حيث تبنت السعودية استراتيجية جديدة قوامها الدفاع عن حصتها السوقية لا سيما في الأسواق الآسيوية الواعدة "Emerging Economies" وفي طليعتها الصين والهند، وبخلافه فإن حصتها السوقية مهددة بالتآكل لصالح منتجين آخرين ذوي الأكلاف العالية.
وتوفر المداولات المتوقعة في القمة التشاورية للدول الاعضاء في أوبك ما يشي إلى الخروج بالعديد من التوصيات منها - حسب المصادر المطلعة - ما يلي:
1ـ خفض الإنتاج السعودي: تشير المصادر المقربة من صنع القرار في المملكة إلى ان السعودية لن تألو جهدًا في خفض إنتاجها والذي وصل ذروته عند شهر تموز (يوليو) الماضي عند 10.670 مليون برميل يوميًا – نظرا لارتفاع الطلب في فصل الصيف القائظ – إلى 10.2 مليون برميل يوميًا (وهو المعدل خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني (يناير) إلى أيار (مايو) الفائتين) شريطة أن تحذو الدول المنتجة الأخرى حذوها.
2. تثبيت الإنتاج الإيراني: إن أي تسوية لتحديد سقف إنتاج جديد داخل أوبك (والبالغ حاليًا 32.5 مليون برميل يوميًا) سيكون فيها لإيران القول الفصل، إذ يمكنها أن تلعب دور بيضة القبان في حال موافقتها على تثبيت إنتاجها عند 3.6 مليون برميل يوميًا، وهو معدل إنتاجها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.
إن حالة التفاؤل التي سادت الأسواق النفطية قبل انطلاق أعمال منتدى الطاقة العالمي (الذي سيجمع لأول مرة منذ سنوات عديدة خلت والتي تضم المنتجين من داخل أوبك وخارجها وجهًا لوجه) أدى إلى ارتفاع مزيج خام برنت المرجعي في العقود الآجلة لأكثر من 48 دولارًا للبرميل بعد أن كان قد لامس خلال الأسابيع المنصرمة عتبة الـ 45 دولارًا للبرميل.
وهناك من يرى أن الدول الأعضاء في أوبك مقبلون على اتفاق ما بخلاف قمة الدوحة في نيسان (إبريل) الماضي حينما فشل المؤتمرون (السعودية وقطر وإيران وفنزويلا بالإضافة إلى روسيا) في الوصول إلى صيغة لتثبيت الإنتاج نظرًا للتعنت الإيراني الذي رفض المس بانتاجه قبل الوصول إلى معدل 4 مليون برميل يوميًا، وهو إنتاجها الذي كان سائدًا قبل فرض العقوبات الاقتصادية عام 2012، وأن الظروف اليوم مؤاتية لاتخاذ قرار يعيد إلى الأذهان القرار التاريخي لدول أوبك في اجتماعهم الذي انعقد في الجزائر كذلك، ولكن هذه المرة في مدينة وهران في 14 كانون أول (ديسمبر) 2008 حيث تم الاتفاق في خطوة جريئة على خفض الإنتاج بواقع 4.2 مليون برميل يوميًا لإعادة التوازن في السوق إثر الأزمة المالية التي عصفت بالدول الصناعية، مما منح الأسعار زخمًا كبيرًا، إذ سرعان ما استعادت عافيتها عند معدل يتراوح بين 90 إلى 100 دولار للبرميل في السنوات الثلاث التي أعقبتها، والذي كان ينظر إليه باعتباره السعر العادل الذي يحقق رغبات كافة الأفرقاء في السوق النفطية من منتجين ومستهلكين ومستثمرين، كما أنه مكن العديد من دول المجلس من بلوغ التعادل في موازناتها العامة التي تعاني حاليًا من عجز مفرط غير مسبوق.
ما أشبه اليوم بالبارحة وإن غدًا لناظره قريب.
ويجمع المراقبون على ان الاجتماع القادم لمنظمة اوبك في العاصمة النمساوية فيينا يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري يعد احد اهم الاجتماعات التي تعقدها المنظمة عبر تاريخها الطويل الذي يناهز 60 عاما منذ تأسيسها في بغداد عام 1960، لا سيما وان المنظمة تنتج حوالي 40 % من الانتاج العالمي والبالغ 33.6 مليون برميل يوميا.
وتتجه النية حسب اخر التصريحات التي تنسب الى وزير الطاقة السعودي المهندس خالد الفالح، فإن المنظمة تقترب من التوصل الى سقف انتاجي يتراوح مداه بين 33 الى 32.5 مليون برميل يوميا مع استثناء كل من ايران وليبيا ونيجيريا من الكوتة الانتاجية باعتبارها دولا تعاني من الحروب والعقوبات الاقتصادية.
وطالب العراق مؤخرا ان يعامل معاملة الدول المذكورة اعلاه باستثنائه كذلك من حصص الانتاج. وسيعمل التخفيض المذكور الذي يقدر بـ 700 الف برميل يوميا الى اعادة التوازن في السوق الذي يعاني من تخمة كبيرة في الامدادات تصل الى مليون برميل يوميا.
وينعقد الاجتماع القادم لاوبك في ظروف يكتنفها الكثير من الغموض، لا سيما بعد فوز دونالد ترامب المفاجئ في الانتخابات الاميركية خلافاَ لاستطلاعات الرأي التي كانت تشير الى فوز المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في السباق نحو الرئاسة. ويتمثل عدم اليقين الذي يساور العديد من الدول النفطية في التفريق بين ما هو معلن من جانب ترامب في حملاته الانتخابية لا سيما تهديده بالغاء الاتفاق النووي مع ايران مما يضعها في موقف لا تحسد عليه اذا ما ارادت المضي قدما في توسيع انتاجها.
كما أن ما يدعونا للتفاؤل المشوب بالحذر هو التقارب الاميركي الروسي الذي طالما بشر به الرئيس المنتخب ترامب والذي ما انفك يعبر عن اعجابه الكبير بالرئيس بوتين كزعيم قوي يمكن التعامل معه في حل الكثير من الملفات العالقة، ما قد يضع حدا لنزيف الدم في سورية منذ عام 2011. وقد يضيف ذلك عامل استقرار في منطقة محفوفة بالخواطر الجيوسياسية، اذ كلنا يتذكر التهديدات الايرانية التي تطلق بين الفينة والفينة بغلق مضيق هرمز الحيوي او التهديدات التي يطلقها الحوثيون في اليمن بغلق مضيق باب المندب الذي يربط البحر الاحمر بالبحر المتوسط عبر قناة السويس.

*اقتصادي عراقي متخصص في شؤون الطاقة

التعليق