أسوار حول الفلسطينيين..!

تم نشره في الخميس 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:07 صباحاً

ربما يكون الشعب الفلسطيني هو الأكثر كراهية لفكرة الأسوار والأسيجة؛ المادية والمجازية على حد سواء. وربما يكونون الأكثر معاناة من سياسات العزل بمختلف تجلياتها؛ في الوطن والمنفى، منذ نكبتهم وخروجهم الكبير تحت سياط الرعب في العام 1948. ولذلك، لا تبدو فكرة إقامة جدار حول مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان مستساغة، مهما كانت المبررات.
كنتُ قد فوجئت ذات مرة عندما اكتشفتُ أن مساحة هذا المخيم لا تتجاوز كيلومتراً مربعاً واحداً، بينما يعيش فيه 80 ألف فلسطيني! كيف يتنفسون في الحيز الضيق، ويتزوجون فيه ويعملون ويتحركون؟! ثم فهمت من التقرير الذي قرأته أن عثور الفلسطيني على عمل في لبنان هو أصعب من اكتشاف إبرة في بحر من القشّ. وإذا كانت حياة اللاجئ الفلسطيني صعبة دائماً، على الأقل بسبب هذه الصفة التي تلازمه بالذات، فإن حياة اللاجئ الفلسطيني في لبنان هي الأصعب على الإطلاق، حيث لا أرض له ولا سماء.
يقول الجيش اللبناني إنه يريد أن يبني جداراً حول الفلسطينيين في عين الحلوة "لحماية الفلسطينيين وليس عزلهم، وأنه يستهدف الإرهابيين وليس الفلسطينيين الأهالي". وقد حاولتُ أن أتصوَّر، وأنا الذي لم أزر المخيم ولا أعرف جغرافيته، كيف يكون بناء سور حوله هو الوسيلة الوحيدة لحماية الفلسطينيين فيه من الإرهاب. وهل ستعني حماية اللبنانيين من الإرهاب، مثلاً، تشييد جدار حولهم هم أيضاً؟ وبدت فكرة بناء الجدار أقرب إلى المزيد من الضغط على الفلسطينيين المسحوقين أصلاً هناك.
ربما تكون المخيمات الفلسطينية في لبنان مكاناً مناسباً للجوء المتطرفين والإرهابيين وهربهم من وجه الحكومة. لكن الذي جعلها كذلك هو أنها لم تُعتبر يوماً جزءاً من لبنان. كانت الجدران قائمة هناك كل الوقت؛ بينها وبين محيط يبدو معادياً، بحيث يشعر الملتجئون إليها بأنهم في دولة أخرى حيث لا يطالهم قانون. وكان المبرر الأهم لحرمان الفلسطينيين من معظم الحقوق الإنسانية الأساسية في لبنان، هو أنهم -كمسلمين سُنيين- يمكن أن يخلّوا بالتوازنات الطائفية إذا مُنحوا حقوقاً سياسية. وليت الأمور هناك تقتصر على الحرمان من الحقوق السياسية! إنها تتعلق بسبل العيش اليومي؛ من حق العمل إلى الدراسة، إلى امتلاك بيت، إلى التنقل والسفر. ولو بحث أحد عن سبُل لتحويل بيئة الفلسطينيين في لبنان إلى أمكنة للتطرف، لما وجد أفضل من السبل التي تسلكها الحكومات اللبنانية لتعميق يأس الفلسطينيين وبؤسهم وسخطهم.
تنقل صحيفة "النهار" اللبنانية عن أمين سر حركة "فتح" في عين الحلوة قوله: "الجدار يقام خارج المخيم، ونحن في لبنان تحت سلطة الدولة وسيطرتها ومع ما تقوم به مع الأجهزة الأمنية لحماية الأمن. لكن مطلبنا أن تنظر القوى اللبنانية إلى أفراد الشعب الفلسطيني على أنهم بشر غير موجودين في سجن جماعي أو مهمشين". ويقول مسؤول الجبهة الديمقراطية هناك إن الجدار "مؤلم ومؤذٍ. والأهالي يشعرون بأنهم في سجن مساحته كيلومتر مربع". ويضيف أن "العلاج الأمني للمخيم لا يكون بالجدار، بل بإعطاء الحقوق المدنية والإنسانية للفلسطينيين. ونتذكر معاً كيف أن الناس سلّمت أنفسها في المخيّم في الفترة الأخيرة لأنها تريد الأمن، لكن الجدار يؤدي إلى أزمة نفسية، وسنشهد حينها على الجدار رسومات وشعارات ضد العنصرية".
من الطبيعي أن لا يريد الفلسطينيون في لبنان ولا غيره أن يصطدموا بالسلطات. لكن من الطبيعي افتراض أن إفقار الفلسطينيين أو معاملتهم كبشر من درجة ثانية أو كأقل من بشر، سيغذي فيهم نزعة عداء. وقد شخَّص مسؤول الجبهة الديمقراطية ذلك، فقال إن "إعطاء الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطيني والتعاطي الإنساني سيؤدي إلى نتائج". وأضاف أن "المجموعات (العنيفة) التي تنشأ هي نتيجة ضخ الأموال الهائلة... حيث يسأل المنتمون إلى هذه الجماعات: كيف نطعم أولادنا؟ ولهذا، فإن التعاطي معنا يجب أن يكون عبر ملف إنساني بشري".
يشتكي فلسطينيو عين الحلوة الضيق المكتظ، من أن الأبراج على السور، الذي يشبهونه بجدار الاحتلال في فلسطين، سوف تنتهك خصوصياتهم في منازلهم. ويقول الجيش إن الفلسطينيين "سيمرون بشكل طبيعي -كما العادة- على الحواجز". وكأن الطبيعي في حياة الفلسطيني، أينما كان، أن يمرَّ دائماً على الحواجز وأن يكون مستعداً دائماً للتفتيش!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تصرف لا يقبله أي عربي شريف (د. عاصم الشهلبي)

    الخميس 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    مع السف أن يقوم الجيش اللبناني أو الحكومة اللبنانية باقامة سور إسمنتي حول مخيم عين الحلوة بحجة حماية سكانه أو لأي سبب آخر. وبهذا العمل غير الإنساني والبائس يقوم لبنان بالتصرف تماما كما تصرفت إسرائيل بأقامة سور يمنع تنقل الفلسطينيين ، ولقي شجب من كافة المنظمات الإنسانية في العالم. وعمل لبنان سياعد إسرائيل إعلاميا لتظهر للعالم بأنها تصرفت بحق لحماية أمنها كما تفعل السلطات اللبنانية. وللعلم، أن نصف اللأجئين الفلسطينيين في لبنان هاجروا من قرى مرج عامر الى لبنان، لأن عائلات لبنانية سرق والخوري وغيرهاكانت قد أستأجرت من الحكومة العثمانية في مطلع القرن العشرين ما يعادل 300 الف دونم من أراضي مرج عامر الزراعية للقيام بزرعتها بمساعدة سكانها الفلسطينيين. وفي عام 1928 باعت هذه العائلات اللبنانية أراضي مرج عامر سرا الى شركة يهودية بريطانية عبر سماسرة يهود لبنانيين . وخلال نهاية عام 1948 قامت الجيش الإسرائيلي بطرد ما يقارب من عشرة الآف فلسطيني من سكان مرج بن عامر الى لبنان. نتمنى على اللبنانيين والعرب الشرفاء في كل مكان أن يرفعوا صوتهم ضد هذا التصرف البشع ضد الأجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في ظروف صعبة وممنون من ممارسة 87 وظيفة في لبنان. وكنا نتمنى أن يتعلم لبنان من الأردن البلد العربي الأصيل الذي أستقبل وحضن اللأجئين الفلسطينيين بكرامة وحب وعاملهم كمواطنيين وكأشقاء بأحسن معاملة .