محمد برهومة

الآن.. وليس بعد كانون الثاني

تم نشره في الجمعة 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:06 صباحاً

من أسهل الإجابات لدى السؤال عن التحولات المحتملة التي قد يُحدثها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، عند استلامه السلطة فعلياً في كانون الثاني (يناير) المقبل، أنْ يُقال إنّ أميركا دولة مؤسسات، وإنّ للرئيس صلاحيات غير مطلقة، وإن خط الاستراتيجية الأميركية ينطوي على قواسم مشتركة يصعب على أيّ رئيس تجاوزها مرة واحدة وبصورة دراماتيكية. قد تكون هذه الإجابة، المزنّرة بالحذر والعمومية، مقبولة مع شخص غير ترامب، حديث العهد بالسياسة الدولية والمفاجئ في مواقفه وجرأته، والذي تعلّم من عالم الأعمال وعقد الصفقات أنّ "المغامرة جزء من النجاح".
وليس أقلّ كسلاً من تلك الإجابات تكرار النصح للدول الخليجية والعربية بعدم الاستعجال في الحكم على الرجل؛ الذي سيخلع لباس المرشّح ويرتدي لباس الرئيس، المحدَّدِ بدستورٍ و"لوبيات" وآلية مؤسسية طويلة لصنع القرارات والسياسات والتوجهات. والأصح بدلاً من ذلك هو انتهاج سياسة "الإسراع وعدم التسرّع"؛ بمعنى الإسراع الخليجي والعربي بالتواصل مع ترامب وفريق إدارته المحتمل، وإدراك الأهمية الكبيرة للفترة الانتقالية، منذ الآن إلى مغادرة أوباما وإدارته السلطة بعد أسابيع. فها هي أسماء مايكل فلين ومايكل بومبيو وجيف سيشنز وميت رومني، وابنة ترامب إيفانكا وزوجها غاريد كوشنير... تطرق مسامعنا. ونخطئ إذ نلوذ بالحذر من "التسرّع" وننسى "الإسراع" في إعداد أجندة أولية لبناء وتمتين الشراكة والمصالح الاستراتيجية مع الساكن الجديد في البيت الأبيض ومع حزبه الجمهوري.
لنتذكرْ؛ لم يذهب أوباما بعدُ، وهو الذي أكّد لنا في مقابلة "ذي أتلانتك" الشهيرة حول عقيدته، أنّ الرئيس فاعلٌ ومؤثّر وقد يكون مستبدّاً في الدفاع عن مواقفه. وهو ما ظهر في سجالاته العديدة مع أركان إدارته حول قضايا الشرق الأوسط، مثل قوله لسمانثا باور سفيرة الولايات المتحدة الحالية للأمم المتحدة، والتي تعتبر الأكثر ميلاً للتدخل في سورية: "سامنثا... كفى... لقد قرأت كتابك (مشكلة من الجحيم)"! وفي حالة ترامب، سيبقى "العامل الشخصي"، على الأرجح، مهماً، مثلما هو مهمٌ البعد الشخصي لنائبه مايك بنس.
وإذا كان منطق الصفقة قوياً في تكوين ترامب، فإن الشراكة الاقتصادية والتجارية بين دول الخليج وأميركا ترامب ميدانٌ مؤثّر ومحفّز لانتهاج "الإسراع" وعدم التأخر. ويُقال مثل ذلك في ميدان مكافحة الإرهاب؛ إذ إنّ مكافحته والقضاء عليه مصلحة أردنية وخليجية وعربية مؤكدة؛ حتى لو مال ترامب إلى النظر إلى نهاياته ومخاطره الملموسة، بدلاً من الغوص في أسباب الإرهاب وجذوره.
التحرك الاستباقي العربي إزاء العهد الأميركي الجديد مطلوب، مثلما هو مطلوب بناء عناصر القوة الذاتية التي تجعلنا في موقف تفاوضي أقوى وأكثر حصانة ضد أي مفاجآت محتملة من قبل الإدارة الجديدة، إلى جانب رفع مستوى التنسيق مع الشركاء الأوروبيين في سياق محاولة التأثير في أجندة وأولويات هذا العهد؛ المتمركزة حول الأمن والاقتصاد والهجرة والتجارة والإرهاب، والسعي الاستراتيجي الجادّ لإبعاد هذا العهد عن الاقتراب من "سيناريو البجعة السوداء"، أي تسليم سورية لروسيا وإيران!

التعليق