إسرائيل في عصر ترامب

تم نشره في الأحد 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • ترامب يحيي جمهوره في مقر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "آيباك" - (أرشيفية)

كارولين غلينك - (ريل كلير بوليتكس) 15/11/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ما الذي يمكننا أن نتوقعه من إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب؟
كانت المواقف التي أعلنها ترامب خلال الحملة الانتخابية غير متساوقة في بعض الأحيان، بل وحتى متعارضة. ولذلك، من المستحيل التنبؤ بدقة بما سيفعله عندما يصبح في المنصب. لكن الغموض لا يكتنف كل شيء في مواقفه. وفي حقيقة الأمر، ثمة بعض السمات الواضحة المهمة لإدارته.
أولاً وقبل كل شيء، سوف يموت إرث الرئيس أوباما لحظة مغادرته البيت الأبيض يوم 20 كانون الثاني (يناير) المقبل. وربما لا يوافق الجمهوريون على كثير منه. لكن ترامب وحزبه يوافقان فعلاً على أن سياسات أوباما ينبغي أن تُنبذ وأن تُستبدل. وسوف يعملون معاً على محاولة لنقض كل أعمال أوباما كرئيس للبلاد.
على جبهة السياسة الداخلية، يعني ذلك أولاً وقبل كل شيء أن يتم إلغاء "أوباما كير" واستبداله بإصلاحات لصناعة الصحة، والتي تفتح سوق التأمين الطبي للمنافسة.
وبدعم من مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون، سوف يضع ترامب نهاية لدفع أوباما نحو إعادة تشكيل المحكمة العليا في الولايات المتحدة في صورة المحكمة العليا الإسرائيلية النشطة، والاستبدادية في واقع الأمر. وخلال فترة ولايته الرئاسية المكونة من أربع سنوات، ربما يقوم ترامب بتعيين ما لا يقل عن أربعة من أصل القضاة التسعة. وبفعله ذلك، سيقوم بتحديد هوية تشكيل المحكمة لفترة الجيل المقبل. وقد أوضح ترامب تماماً خلال السباق أن القضاة الذين سيختارهم سيعارضون الخطة اليسارية بقيادة أوباما لتحويل المحكمة إلى هيئة قضائية إمبريالية، تحدد الأعراف الاجتماعية والثقافية، وتشرِّع من منصة القاضي.
كما سيحاول ترامب أيضاً تنظيف دائرة الإيرادات الداخلية. ففي ظل إدارة أوباما، أصبحت مصلحة الضرائب أداة لحرب سياسية. وكانت المجموعات المحافظة واليمينية المؤيدة لإسرائيل تتعرض -منهجياً- للتمييز وتشكل هدفاً للإساءة. ومن الممكن افتراض أن يقوم ترامب بطرد مسؤولي دائرة الإيرادات الداخلية الذين كانوا متورطين في هذا الاستغلال التمييزي للسلطة.
لا شك أن الكثير ما يزال غير واضح حول سياسة ترامب الخارجية. لكن ثمة بعض الأمور المعروفة مسبقاً في هذه الساحة أيضاً. سوف يزيل ترامب توقيع الولايات المتحدة عن الاتفاق النووي مع إيران.
ولن يكون ترامب قادراً على إصلاح الضرر الذي تسببت به الصفقة مسبقاً -ليس مباشرة على الأقل. وسوف لن يتمكن من إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن متعددة الأطراف على إيران، التي ألغاها الاتفاق النووي. وسوف تتطلب مثل هذه الخطوة إجراء مفاوضات مطولة، وستكون نهايتها بعيدة تماماً عن أن تكون مضمونة.
ولن يكون ترامب قادراً كذلك على استعادة مليارات الدولارات التي تلقتها إيران مسبقاً بسبب إلغاء العقوبات الاقتصادية، ومن خلال الدفعات النقدية من إدارة أوباما.
وفي الوقت نفسه، سوف يغير ترامب، من أول يوم له في المنصب، مسار السياسة الأميركية تجاه إيران. سوف يعارض حيازة إيران أسلحة نووية، وسوف يعارض صعود إيران إلى الهيمنة الإقليمية.
وهناك نتيجة ثانية ممكنة فعلياً يمكن استنتاجها من رئاسة أوباما، هي أن ترامب سيكون أكثر شبهاً بسياسة عدم التدخل التي انتهجها رونالد ريغان من سياسة التدخل التي انتهجها أوباما. وسوف يؤدي ماضيه كرجل أعمال، إلى جانب افتقاره إلى خبرة الحكم والخبرة السياسية، إلى أن يضع ترامب خطوطاً إرشادية عريضة عامة للسياسة والأهداف، بينما يفوض المسؤولية عن صياغة السياسات والبرامج المناسبة لمجلس وزرائه ومستشاريه.
ويعني هذا أن الأفراد أنفسهم سيكونون بمثابة سياسات إلى حد كبير في إدارة ترامب. وفي حين كان أعضاء مجلس وزراء أوباما ومستشاريه قابلين للتدوير وتبادل الأماكن بشكل أو بآخر بما أن أوباما نفسه كان يحدد كل شيء، من تفاصيل سياساته إلى الطرق التي ستباع بها تلك السياسات على الجمهور (أو تُخفى بها عن الجمهور) والتي ستطبق بها، فإن اختيار ترامب لمستشاريه سيكون مهماً على مستوى استراتيجي.
من الواضح أنه من السابق لأوانه معرفة من سيكون مستشارو ترامب وأعضاء وزارته. لكن هناك سبباً جيداً لجعل إسرائيل تتشجع بالمستشارين الذين عملوا مع ترامب خلال حملته الانتخابية.
يشكل نائب الرئيس المنتخب، مايك بينس، واحداً من أكثر واضعي السياسات دعماً لإسرائيل في أميركا. كما أن رئيس مجلس النواب السابق، نيوت غينغريتش، هو مناصر صريح للتحالف الأميركي-الإسرائيلي.
وبالمثل، يشكل كل من عمدة نيويورك السابق، رودي جولياني؛ والسيناتور السابق ريك سانتوروم؛ والجنرال المتقاعد مايك فلين؛ والسفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة، جون بولتون؛ يشكلون كلهم أبطالاً استثنائيين لتحالف الولايات المتحدة مع إسرائيل.
كما أن مستشارَي ترامب للشؤون الإسرائيلية خلال الحملة، ديفيد فريدمان وجيسون غرينبلات، هما من بين أشد المروجين والمدافعين عن التحالف الأميركي-الإسرائيلي الذين ظهروا في عقود.
سيكون التعاطف المدهش لفريق ترامب الانتخابي أكثر قابلية للملاحظة عندما نفكر بما كان يمكن أن تواجهه إسرائيل من إدارة تقودها هيلاري كلينتون. لم يكن فريق كلينتون الوزاري المنتظِر في "مركز التقدم الأميركي" الذي يموله جورج سوروس ويديره جون بوديستا يضم أي مدافعين جديّين عن التحالف الأميركي-الإسرائيلي.
كما أن فريقها من المستشارين لم يكونوا غير مبالين تجاه إسرائيل فحسب. وقد أوضح كشف موقع ويكيليكس من رسائل بوديستا في البريد الإلكتروني، مثلها مثل المراسلات التي نشرها موقع "جوديشيال ووتش" من فترة ولاية هيلاري كلينتون كوزيرة للخارجية، أن فريق كلينتون ضم مستشارين عدة ينطوون على عدائية عميقة الجذور، إذا لم يكن عداءً صريحاً، تجاه الإسرائيليين وتجاه الحكومة الإسرائيلية. والشيء الثالث الواضح مسبقاً حول طبيعة إدارة ترامب هي أنها لن تتردد في تجاهل الحكمة السائدة حول مجموعة من القضايا، والشروع في انتهاج سياسات لا يمكن أن تنتهجها النخب السياسية من الحزبين، ولا حتى أن تتحدث عنها.
كان انتصار ترامب أولاً وقبل كل شيء هزيمة للنخبة الأميركية، التي أشار إليها الأستاذ أنجيلو كوديفيلا على نحو جدير بالتذكر بأنها "الطبقة الحاكمة" في أميركا.
لم تستهدف حملة ترامب المؤسسة الديمقراطية فحسب، وإنما هاجم المؤسسة الجمهورية أيضاً. صحيح أن ترامب قال في خطاب انتصاره الانتخابي إنه ينوي ردم الصدوع في المجتمع الأميركي -ويفترض أن يبدأ في ذلك بحزبه نفسه. لكن هناك شيئاً واحداً على الأقل ينبغي أن يكون واضحاً بشأن إعادة التوحيد هذه. كرئيس منتخب، سوف يضع ترامب شروط عملية ردم الشقوق والشفاء هو بنفسه.
هناك كل سبب لتوقع أن ترامب، في الحد الأدنى، لن يسامح الجمهوريين سريعاً من أولئك الذين رفضوا سعيه الرئاسي، بل وحتى عارضوه. وسوف يتم حرمان معسكر "ليس ترامب أبداً" من المناصب والنفوذ على مدى فترة خدمة إدارة ترامب، وسيتم إرسالهم إلى الصحراء السياسية.
هناك مؤسسة أخرى وقعت على سيفِها في هذه الانتخابات، هي مؤسسة اليهود الأميركيين. بقيادة عصبة مناهضة التشهير، وقفت مؤسسة اليهود الأميركيين، بما فيها كبار المتبرعين، كشخص واحد تقريباً في دعمها لكلينتون. ووضع أعضاء قيادة اليهود الأميركيين تفضيلاتهم الحزبية فوق مصالح ومسؤوليات مجتمعهم. وبعملهم ذلك، أضعفوا المجتمع بطريقة سيكون من الصعب إصلاحها.
يضم كلا الحزبين؛ الديمقراطي والجمهوري، أشخاصاً معادين للسامية في صفوفهما. وقد تجاهلت المؤسسة اليهودية الديمقراطيين اللاساميين وتظاهرت بالابتعاد عنهم، حتى عندما كانوا يحرقون الأعلام الإسرائيلية في مؤتمر الحزب الديمقراطي. ولم تقل المؤسسة شيئاً عندما كانت الهذيانات المعادية لإسرائيل، والتي وقفت في أحسن الأحوال على حدود معاداة السامية، من مستشاري كلينتون، مثل توماس بيكرينغ وآن ماري سلوتر، تُنشر على موقع "جوديشيال ووتش".
من ناحية أخرى، انتقدت المؤسسة اليهودية ترامب كشخص معادٍ للسامية بسبب وجود أشخاصٍ معادين للسامية، مثل ديفيد ديوك، على هامش الحزب الجمهوري. كما أدينت الانتقادات المشروعة ضد إسرائيل والصادرة عن المناهض لإسرائيل، الممول جورج سوروس، باعتبارها معادية للسامية، بينما ترك داعمو كلينتون اليهود الهجمات المعادية للسامية حقاً من مانح ترامب، شيلدون أديلسون، بدون تعليق.
تبدو نتيجة تعبئة المؤسسة اليهودية كاملة تقريباً من أجل نصرة كلينتون واضحة. لن يكون لبيت ترامب الأبيض سياسةُ باب مفتوح لأولئك الذين اتهموا ترامب –خطأ- بمعاداة السامية. وسيكون على اليهود الأميركيين إما إسقاط قادة المجموعات التي وضعت مصلحة حزبها أمام مصلحة مجتمعها، أو تأسيس منظمة جديدة لتدافع عن مصالحهم. وأياً يكن المسار الذي يتم اختياره، فإن عملية إعادة بناء البنية التحتية المجتمعية التي حطمها القادة ستكون طويلة، وصعبة ومكلفة.
على عكس المجتمع اليهودي الأميركي، ستكون هزيمة المؤسسة الأميركية تطوراً إيجابياً بالنسبة لإسرائيل. فموقف نخبة السياسة الخارجية الافتراضي في الحزبين تجاه إسرائيل كان سيئاً لكل من إسرائيل ولصحَّة ومدى موثوقية تحالفها مع الولايات المتحدة.
كما أوضحتُ في كتابي "الحل الإسرائيلي- خطة الدولة الواحدة للسلام في الشرق الأوسط"، كان هناك اتساق مخيب للآمال في سياسة الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، والذي استمر من إدارة بيل كلينتون وخلال إدارة جورج دبليو بوش وإلى إدارة أوباما. منذ أيام كلينتون على الأقل، كانت الحكمة السائدة لنخبة السياسة الخارجية الأميركية هي أن على الولايات المتحدة أن تسعى إلى جعل إسرائيل توقع صفقة بسرعة مع منظمة التحرير الفلسطينية. وكانت معالم الصفقة واضحة على نحو مماثل لجميع المعنيين. على إسرائيل التخلي عن سيطرتها على كل أو معظم القدس، ويهودا والسامرة، وأن تنقل السيطرة على المناطق -الخالية من اليهود بشكل أو بآخر، إلى منظمة التحرير الفلسطينية.
كان هذا الرأي من الحزبين معادياً، بنيوياً، لإسرائيل. إنه يضع كل المسؤولية عن صنع السلام على إسرائيل. وباعتبارها الفريق الوحيد المسؤول، فإن إسرائيل هي الطرف الوحيد المذنب في غياب السلام. كما أن النظرة إلى الجانب الآخر مخيِّبة بالقدر نفسه. إن الفلسطينيين مبرأون من المسؤولية عن الإرهاب، والكراهية والحرب السياسية ضد إسرائيل.
أدى العداء لإسرائيل المتأصل في نموذج حل الدولتين إلى خلق وضع حيث انتهى الأمر حتى بالمسؤولين الأميركيين المؤيدين لإسرائيل وهم ينضمون إلى زملائهم المعادين لإسرائيل في الضغط على إسرائيل للتصرف بطرق ضارة لكل من أمنها القومية ولفكرة وجود تحالف أميركي-إسرائيلي نفسها. وقد أعمى التزام نخبة السياسة الخارجية الحاكمة بفكرة حل الدولتين أعضاءها عن تمييز أهمية إسرائيل الاستراتيجية للولايات المتحدة، وجعلهم ينظرون إلى حليف الولايات المتحدة المستقر الوحيد في المنطقة كعبء على المصالح الأميركية.
الكثير من مستشاري ترامب، بمن فيهم غينغريتش، الذي أثير اسمه كمرشح بارز لشغل منصب وزير الخارجية، رفضوا هذه الحكمة الشائعة. وفي مناظرة رئاسية جمهورية في العام 2011، أشار غينغريتش إلى الفلسطينيين على أنهم "شعب مختلق" ولاحظ أنهم يلقنون أبناءهم النظر إلى اليهود على أنهم أقل من بشر وأن يسعوا إلى إبادتهم. وبسبب تصريحه ذاك، تعرض غينغريتش لهجوم وحشي من النخب الديمقراطية والجمهورية على حد سواء. لكنه لم يقم بسحب بيانه أبداً.
يزود انتخاب ترامب إسرائيل بأول فرصة لها في 50 عاماً لإعادة صياغة تحالفها مع الولايات المتحدة. ويجب أن يقوم هذا التحالف الجديد على فهم مشترك واحترام لما لدى إسرائيل لتعرضه على الولايات المتحدة، وكذلك لحدود ما يمكن أن تعرضه الولايات المتحدة على إسرائيل. وتجيء الحدود الموضوعة على مساعدة الولايات المتحدة في جزء كبير منها كتداعيات للكثير من الجنيِّين الذين أطلقهم أوباما من القمقم خلال السنوات الثماني الماضية. وسوف تصبح الفرص أكبر في مجالات تتصل بعلاقات إسرائيل مع الفلسطينيين والحرب السياسية التي يشنها عليها الأوروبيون واليسار العالمي أكثر مما تتصل بالتحديات التي يشكلها صعود الإسلاموية في الشرق الأوسط.
من المؤكد أن ترامب غير ثابت ولا متساوق. لكننا يجب أن ندرك، مما نعرفه مسبقاً، أن صعوده يؤشر على نقطة انعطاف في التاريخ الأميركي.
إنها لحظة نادرة، حيث الأمور التي لم تكن قابلة للتخيل قبل شهر فقط أصبحت ممكنة الآن. وإذا لعبنا أوراقنا بالطريقة الصائبة، مثلما فعل الشعب الأميركي، فإن إسرائيل تقف الآن في موقف يمكنها من الكسب بطرق لم نكن قد حلمنا بها أبداً.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Israel in the Trump Era

‏ala.zeineh@alghad.jo

التعليق