جهاد المنسي

ثقافة الفنجان

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:03 صباحاً

(وجهك عليها... أشربوا قهوتكم... وصلتم... الشيطان شاطر... كلنا أهل وقرايب)، مصطلحات نسمعها بعد كل مشاجرة عائلية أو طلابية أو عشائرية، تكون طريقا لإنهاء حدث أقام البلد وأقعده! نهايتها فنجان قهوة، ووثيقة صلح، ومن بعدها يقوم الجميع (المتسبب والمتضرر) باجراءات التوفيق وتكفيل الموقوفين.
لسنا ضد الوجوه العشائرية، ولسنا ضد أن يتواصل الاردنيون فيما بينهم بالسراء والضراء، وأن يكون بين أبناء البلد توافق ومودة وتعارف "وجبر خواطر"، فذاك أمر إيجابي يعزز اللحمة ويوطد الأركان.
ولكننا في الوقت عينه ضد أن يؤثر ذلك على مصلحة البلد وهيبة الدولة، فالبلد أكبر منا جميعا، وعلينا أن نتوافق كلنا أننا تحت سقفه سواسية، وأننا جميعا تحت وصاية القانون والعدل والمساواة، ولذا فإن الأصل ترك كل مشاجرة تحصل للعدالة لتأخذ مجراها، وأن نمنع أي أحد من التدخل في سيادة القانون، وأن تكون مساهمة الجميع في إطار تطييب النفوس ليس أكثر، فأن يتصالح الناس فيما بينهم، ويتوافقوا، أمر محمود، ولكن من دون التدخل في سيادة القانون، ومنع تطبيق العدالة على الناس، فالمتسبب في أي مشكلة يجب أن يأخذ جزاء عمله، وعليه أن يُقدَّم للقضاء ليقول كلمته فيه.
أذكر أن الجميع من وزراء ونواب وأعيان أصحاب رأي، ومثقفون، أيدوا الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك التي تحدث فيها عن الدولة المدنية وتثبيت أركانها، ورحبوا بها، وأشعرونا أننا سنفتح الباب للدولة المدنية خلال أيام، لكن أولئك أنفسهم فاجؤونا بعد ساعات من تهليلهم بالورقة النقاشية بتدخلهم في مشكلة عائلية هنا أو مشاجرة وقعت هناك، والأنكى أنهم يمارسون ضغطهم لتكفيل هذا وتخفيف عقوبة ذاك! من دون اعتبار للقانون وسيادته!، فأين أنتم من الورقة النقاشية؟!
الأصل أن ندع القانون يأخذ مجراه، وأن نتعاهد بتركه يقضي بيننا بالعدل، فلا سيادة لأحد ولا سلطان فوق سيادة القانون، فمن يعتدي على الناس يعاقب، فالقانون لم يتم وضعه لفئة دون أخرى، ولا أحد فوقه، وليس من مصلحة أحد التدخل في شؤونه، والقيام بدور المدعي العام والقاضي في نفس الوقت.
بداية طريقنا لسيادة القانون تبدأ من رجال الدولة وأصحاب المعالي والسعادة والعطوفة الذين يتوجب عليهم الابتعاد عن العطوات والجاهات، ومنع أنفسهم من التدخل في إجراءات القضاء، والسعي لتكفيل مشتبه به، وعرقلة تكفيل آخر، فأولئك عليهم أن يذهبوا للتفكير بمصلحة الدولة ووضع خطط ودراسات والمشاركة بندوات فكرية، فلو اقتنع أولئك أن مكانهم ليس في تصدر الجاهات والعطوات والخطبات وغيرها، وتركوا الخطب والأفراح لرجال الدين، والجاهات وتطييب النفوس لشيوخ عشائر محليين ومخاتير، مع عدم السماح لأولئك بالتدخل في عمل القضاء، فإن الأمور تستقيم، وسيكون بمقدورنا وقتذاك خطّ بداية الطريق للدولة المدنية الحديثة العصرية، التي يسود فيها القانون على الجميع، ونشعر جميعا بأننا بحماية العدالة، وليس بحماية قبيلة أو فئة.
اذا كان رجال الدولة بكل تلاوينهم ومشاربهم أول المستهدفين من كل ما قيل، فمن يعمل في السياسة لا يمكن ان يكون في آخر النهار على رأس جاهة عشائرية هدفها صبغ حماية لمشاغب، ومن يطالعنا في كل صباح بكتابات عن الدولة الحضارية المدنية العصرية لا يجوز له أن يحدثنا في آخر النهار عن العشائرية والقطرية والجهوية وخلافه من مصطلحات ضيقة لا مكان لها في الدولة الحديثة.
دعونا نتفق أن من يفرض أتاوات على الناس يتوجب محاكمته، من يحمي أولئك يجب معاقبته، من يحرق بيوتا ويهجّر ناسا يعاقب بالقانون، ولا يجب التستر عليه، من يقلق أمن جامعاتنا ويزرع الخوف في شوارعنا يعاقب، أن نؤمن أن الدولة المدنية تُبنى بالقانون والعدالة والمساواة ومعاقبة كل من يمشي بواسطة ومحسوبية، أن نؤسس لثقافة القانون والدولة الحديثة وليس لثقافة الفنجان.. "وأبشر". لو توافقنا على ذلك نكون قولا وفعلا ذهبنا بالاتجاه الصحيح.

التعليق