سائد كراجة

في ضرورة الدولة المدنية

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 01:02 صباحاً

يقول صديقي الليبرالي: الدولة كمفهوم، شرٌ لا بد منه. مهمتها حماية الأمن وإنفاذ القانون وتيسير ممارسة الناس لحرياتهم وتحقيق سعادتهم الإنسانية والاقتصادية. وهي ضرورة لحفظ النظام في المجتمع؛ وبهذه الصفة فإنها تنفذ القانون الذي اختاره الناس بحرية وديمقراطية حقيقية، ولا تتدخل في أخلاق الناس ولا في معتقداتهم، وهي قطعاً لا تحكم باسم الدين أياً كان هذا الدين.
أما صديقي اليساري فيقول: الدولة هدف وليست وسيلة. وهي ضمانة تحقيق العدالة وتوزيع الثروة الوطنية، ونصيرة الطبقات الكادحة. والدولة "هيبة" وفرض للقانون، تنحاز للطبقات الكادحة؛ كما أنها المسؤولة عن ضبط القيم والسلوك الذي تراه مناسبا لتحقيق هذه الأيديولوجيا. وبالتالي، فهي متدخلة في أذهان الناس وسلوكهم.
في حين أن الدولة عند صديقي الإسلامي، هي الخليفة الذي يتقي الله ويقيم الدين. وهي اجتهاد الخليفة في تطبيق الدين، أكثر منها هيكلية قانونية مستقلة. إذ إن عَزَم الخليفة على أمر فهو على حق، وإن اختلف رأيه عن رأي من أشاروا عليه، لأن تقوى الخليفة هي ضمانة الحكم الرشيد.
في الواقع العملي، هناك دول ليبرالية خانت الحرية وحقوق الإنسان. وبانسحابها من أي دور في ضبط الحرية، فإنها خلقت وحشا للاستغلال الاقتصادي والإنساني، وتركت الإنسان لأقصى درجات العبودية، وهي عبودية الحاجة والعوز؛ بل إنها قننت -بدعوى الحرية- بيع الإنسان لجسده لقاء عوض مادي.
وهناك دول ذات أيديولوجيا يسارية مركزية، إلا أنها وزعت الثروة على فئة دون أخرى، وكرّست الفقر والتنميط الاجتماعي. ولربما حافظت على ثروات الوطن، لكن لأعضاء الحزب. وفعلا، قدمت تعليما وصحة مجانيين، لكنها كرست الفقر؛ فصار لدينا طبقة كادحة بصحة جيدة وشهادات جامعية. كما دافعت عن نمط خط اشتراكي للدولة، لكنه ترفي فاسد دكتاتوري، يقدس رأس الحزب الحاكم.
وفي بعض مراحل الدول الإسلامية، هناك دول بطشت بمواطنيها المسلمين، وتبين فيها أن تقوى الحاكم تتمثل فقط بتطبيق فهم للإسلام يخدم بقاءه في السلطة غير آبه لا بشورى ولا بحقوق إنسان، وبات المسلمون سواسية تحت أسنان الخليفة وحاشيته. وقد خرج بعض هذه الدول عن أبسط قواعد العدالة والإنسانية، ولنا في الخوارج قديما وحديثا مثال. ولم تخرج الدول الدينية للديانات الأخرى عن مثل تلك الممارسات.
الغريب في الأمر أن هذه الدول شيدت الطرق والجامعات والمستشفيات، لكنها جميعا مسؤولة عن الكثير من القتل ومصادرة حقوق الناس وحرياتهم. فهكذا انهار الاتحاد السوفياتي عن شعوب متحاربة؛ وهكذا انهار العراق وسورية عن طوائف متقاتلة. وأيضا ما يزال التمييز العرقي في أميركا جمرا تحت الرماد.
في المقابل، يقوم مفهوم الدولة المدنية اليوم على دستور يكرس هيكل الحكم عبر سلطات مستقلة متعاونة، ومواطن فاعل مشارك في الحكم من خلال البرلمان والمجتمع المدني؛ دولة لا إقصاء فيها، دينيا كان أو عرقيا أو فكريا. وهي دولة كل المشارب والنِحل؛ دولة الحريات الشخصية والعامة، حرية أساسها انعتاق المواطن من العوز والفقر باعتبار ذلك أساس الحرية جميعا. وهي دولة الحكومات البرلمانية المشكلة من أحزاب برامجية، برامجها لا تخضع لإملاءات أيديولوجية مسبقة، بل تنبثق من حاجة الوطن والمواطن، وإن اختلفت المرجعيات الفكرية لهذه البرامج، وبوعي هدفه تأسيس جذر فكري مشترك لبرنامج مناطه مصلحة الوطن والمواطن في ظل ديمقراطية وضمانة حقوق الإنسان، ومن دون انتكاس أو تقوقع أو تحييد عن دور الوطن القوي الموحد في خدمة القضايا القومية والعالمية العادلة.
قد يعلق أحدهم: إذن، ماذا يميز هذا الكلام؛ الكل يدّعي أن برنامجه يخدم الوطن؟! ونقول: ما يميز هذا التوجه هو محاولة قلب معادلة البرامج الحزبية لتبدأ من خلال عملية ديمقراطية مهنية، يقدمها خبراء يبدأون بالتفكير بالواقع المحلي، وليس بالأيديولوجيات، ويخططون لوطن قوي في إطار حزب طيف يرفض الإقصاء. نعم، يبقى هذا الكلام نظريا وبحاجة إلى عمل جاد لتطبيقه فعلا .
في مقاله أمس، أشار الدكتور محمد أبو رمان أنه غير متفائل بمشروع الدولة المدنية إقليميا، بسبب الظروف المحيطة. وقد يكون على حق على مستوى الإقليم. لكن نمط الدولة المدنية للأردن لم يعد مسألة تشاؤم أو تفاؤل، بل ضرورة. فهل ننهض للمهمة؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم (رامز ملك..)

    الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016.
    هي ضروره فعلا. لكن للحصول على النتائج المرجوه لا بد من التأسيس لها وليس التحول اليها في يوم وليله. يكون التأسيس بالسماح لجيل او جيلين من الأطفال لتكبروا ويتربو في بيئه انسانية سليمه. محاربه التطرف المستشري في المدارس والمجتمعات. التركيز على الاخلاق واحترام الرائ الاخر. محاربه الفساد و محاوله احلال العدل الاجتماعي والاقتصادي.. ووو.. نحن شعوب لم نكن يوما احرار. فان لم يتم التأسيس فان مفهوم الحريه في اطار دوله العدل المدنية سوف يشوه وعالاغلب سوف يسرق.