علاء الدين أبو زينة

الرفيق فيدل..!

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:07 صباحاً

امتلأت وسائل الإعلام الرسمية والاجتماعية بالأخبار والتعليقات عن رحيل الزعيم الكوبي الأسطوري فيدل كاسترو، يوم الجمعة الماضي، عن عمر ناهز 90 عاماً. وتناول الإعلام الأميركي الموالي للمؤسسة شخص فيدل بعداء واضح. وعلى سبيل المثال، كان من عناوين مقالات صحيفة "واشنطن بوست" في اليومين الأخيرين: "فيدل كاسترو مات. ويستطيع ترامب أن يمنح دكتاتورية كوبا حياة جديدة"؛ و"أمل بأن يسمح موت كاسترو للكوبيين أخيراً بمواجهة ماضيهم المأساوي". وعنونت صحيفة "نيويورك تايمز" خبرها عن الوفاة: "فيدل كاسترو، الرسول المتحمس للثورة، الذي جلب الحرب الباردة إلى نصف الكرة الغربي في 1959".
لكن الثوريين واليساريين في كل العالم يحتفظون لفيدل كاسترو بعاطفة مختلفة. إنه بالنسبة إليهم الرجل الذي تحدى أشرس قوة إمبريالية في العالم لأكثر من نصف قرن، واستعصى على القهر. وهو الذي استطاع أن يضع اسم جزيرته الصغيرة، كوبا، على خريطة العالم ويطبعها بقوة في تاريخ القرن العشرين. وكان المناضلون القدماء من أجل الحرية في كل مكان يذكرونه باللقب الحميم: الرفيق فيدل.
في العالم العربي، اقترن اسم فيدل كاسترو باسم رفيق نضاله المبكر، آرنستو تشي غيفارا. وكان الرجلان يجسدان المثل الأعلى للثوري الذي يجمع بين الوعي النظري وبين الكفاح على الأرض، في المعسكرات والخنادق. ويتذكر اليساريون العرب أغنية الشيخ إمام، من شعر أحمد فؤاد نجم، عن رحيل غيفارا اغتيالاً في العام 1967: "مات المناضل المثالْ/ يا مِيت خُسارة عالرجالْ/ مات الجدع فوق مدفعُه جوا الغاباتْ/ جسد نضالُه بمصرعُه من سُكاتْ/ لا طبالين يفرقَعوا، ولا إعلاناتْ".
كان أول مطالب حركة 26 تموز (يوليو) التي قادها فيدل كاسترو: مصادرة الأملاك والعقارات الكبيرة؛ وتأميم المؤسسات الأجنبية؛ ونشر المدارس والعيادات الطبية في كل أرجاء كوبا. وكان تأميم الشركات الأميركية التي تستغل الكوبيين ضربة كبيرة لهيبة الولايات المتحدة المتغطرسة، فحاولت الإطاحة بفيدل من خلال تنظيم وتمويل وتسليح حملة عسكرية فاشلة نفذها الكوبيون المنفيون في العام 1961، فيما عرف بغزوة "خليج الخنازير". بعد ذلك، حاولت وكالة الاستخبارات الأميركية اغتيال فيدل كاسترو 638 مرة على مدى 53 عاماً، وفشلت. وظلت أميركا تعتبره عدوها الأول طويلاً، حتى تحولت أخيراً إلى اعتبار ما تسميه "محور الشر" عدوها الأول. ولم يكن فيدل أقل كراهية لما تمثله أميركا. وحتى عندما فتح الرئيس أوباما العلاقات مع بلده أخيراً، قال كاسترو في رسالة بمناسبة عيد ميلاده التسعين هذا العام: "إننا لسنا في حاجة لأن تعطينا الإمبريالية أي شيء".
على الرغم من الحصار، تمتلك كوبا في عهد كاسترو نظام رعاية صحية مجانيا لكل مواطنيها، وعدداً كبيراً جداً من الأطباء من أفضل النوعيات. كما يسجل معدل تعليم المواطنين فيها رقماً قياسياً، عند 99.8 %. وتنافس هذه الأرقام مثيلاتها في أكثر دول العالم تقدماً، مع الاختلاف الواضح في الظروف. ويعرف المواطنون في الدول التي يتحملون فيها كلفة الصحة والتعليم ما يعنيه تخفيف أعباء هذه الخدمات عن كاهل الأفراد.
بالنسبة للقضايا العربية المهمة، تسجل لفيدل كاسترو مواقفه من القضية الفلسطينية. وبالإضافة إلى الدعم السياسي، واستقبال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل ياسر عرفات، في هافانا العام 1974، عندما كانت معظم دول العالم تناصبه العداء، قدمت كوبا دعماً تعليمياً مستمراً للفلسطينيين. وينقل موقع "ذي بالستاين كرونيكل" عن فلسطيني نال منحة كاملة للدراسة في كوبا في السبعينيات، قوله: "على الرغم من مصاعب كوبا الاقتصادية، كانت الحكومة تعطي أكثر من 150 منحة للفلسطينيين سنوياً، لدراسة الطب والهندسة والتخصصات الأخرى".
وقبل سنتين، كما يذكر الموقع، دان كاسترو عدوان دولة الكيان الصهيوني على غزة، ووصفه بأنه "شكل جديد وبغيض من الفاشية". وكتب في صحيفة كوبية: "لماذا تعتقد حكومة (إسرائيل) أن العالم لن يتأثر أمام هذه الإبادة الجماعية المروعة التي تُرتكب اليوم بحق الشعب الفلسطيني"؟
في السنوات الأخيرة، ذهب الكثير من التواصل والتضامن العاطفي القديم بين الشعوب التي تعاني على يد القوى الاستعمارية نفسها. لكن أجيالاً من العرب تتذكر الحضور القوي والملهم لتجربة كوبا كاسترو في تحدي الهيمنة والجرأة على التغيير. وسوف يفتقد الكثيرون بحنين ما مثّله "الرفيق فيدل"، الآن في عالَم موسوم بالإخضاع.

التعليق