جمانة غنيمات

الموازنة تبوح بالأسرار (2/ 2)

تم نشره في الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:10 صباحاً

كما بيّنا في المقال السابق، استناداً إلى المعلومات الواردة في مشروعي قانوني موازنة الحكومة المركزية وموازنات الوحدات الحكومية المستقلة للسنة المالية 2017، فإن الحكومة تمضي بالتوسع في الإنفاق العام من دون حساب أو توقف عند فكرة إصلاح ما هو قائم؛ أي معالجة توجه قديم طالما عكفت الحكومات على فعله، وهو الإنفاق من دون حساب، لكأننا دولة ثرية، بموارد لا تنضب أو تتقلص! وفي إنكار، بالتالي، لحقيقة أن مبلغ 11 مليار دينار، هو حجم الإنفاق الحكومي، يمثل رقماً صعباً لن يتسنى تحقيقه، بما يعني استمرار الغرق بالدين، وعجز موازنة مزمن ومتفاقم لعقود مقبلة.
فليت الحكومة توسعت في نفقاتها اعتمادا على نمو صحي للإيرادات؛ إذ جاءت هذه الزيادة في ظل تراجع المنح الخارجية مقارنة بالسنة الحالية. وبالفعل، قللت الحكومة من توقعاتها بشأن هذه المنح إلى 777 مليون دينار، مقارنة بمنح قدرها 814 مليون دينار للعام 2016، لتسجل بذلك تراجعا نسبته 1.6 %. وهو التقليص الذي ينطبق أيضا على الإيرادات غير الضريبية. ولتكون النتيجة، مع إعلان الحكومة أنها ستزيد الإيرادات المحلية بحوالي 567 مليون دينار، أن المواطن/ المستهلك هو من سيدفع كلف الزيادة في النفقات، من خلال قرارات صعبة على مدى العام المقبل.
الرسالة في عدم ضبط النفقات العامة، بتقديم موازنة توسعية لمجلس النواب، هي أن صنّاع القرار ليسوا مدركين لحجم المشكل الاقتصادي، كما حساسية وتبعات التوسع في النفقات، وعدم ضبط الهدر في الموازنة. يضاف إلى ذلك أن البنود التي طرأت عليها الزيادة لا تساهم في تحقيق النمو الاقتصادي على الأقل.
فالإنفاق الرأسمالي كرقم مطلق يبدو ضخما، ومقداره نحو 1.3 مليار دينار. لكن في تفاصيله، تتكشف المشكلة؛ لأن غالبية المخصصات لهذا البند تذهب لمشاريع قائمة أو مستكملة، فيما خُصص للمشاريع الجديدة مبلغ 305 ملايين دينار فقط، وهو ما لا يكفي لتحقيق النمو المنشود، ونسبته 3.3 %. بشكل عام، جاءت الزيادة في الإنفاق في بند نفقات الحكومة المركزية في مشروع قانون 2017؛ بحيث يصل مجموع الإنفاق المقدر إلى 8.94 مليار دينار، مقابل 8.49 مليار دينار في موازنة 2016، أي بزيادة قدرها 451 مليون دينار، أو ما نسبته 5.3 %. وتبدو هذه الزيادة تحديداً في بند النفقات الجارية، إذ يبلغ 7.3 مليار دينار في العام 2017، مقارنة بـ7.5 مليار دينار في موازنة 2016.
بالنتيجة، موازنة العام المقبل تبوح لنا بالأسرار. أهمها على الإطلاق، أن الحكومة غير جادة بالإصلاح، إلا فيما يتعلق بالبنود الخاصة بما تنفقه على المواطن. وللتذكير فقط، فإن الحكومة، ومنذ بداية العام المقبل، سترفع يدها عن دعم الكهرباء، لأنها اتخذت قرارا سابقاً بربط تعرفتها بأسعار النفط عالميا، وحددت معادلة لذلك، تتمثل في أنه كلما زاد سعر برميل النفط عن 55 دولارا، ستزيد أسعار الكهرباء على المستهلك.
كما تقول لنا الموازنة إن العبء الضريبي سيزيد على الناس خلال العام المقبل. وربما يتم ذلك من خلال الدراسة التي تتحفظ عليها الحكومة حتى اليوم، والمتعلقة بإعادة هيكلة ضريبة المبيعات. وهو ما يؤكد مجددا أن كل القرارات الصعبة وما نتج عنها من تضحيات قدمها وتحملها الأردنيون خلال السنوات الماضية، لم تنعكس أبدا على أرقام موازنة بلدهم.
وأرقام موازنة 2017 دليل نهائي على أن كل توصيات صندوق النقد الدولي وبرامجه، لم تأخذنا خطوة واحدة فعلية باتجاه الإصلاح المالي ومعالجة التشوهات الحقيقية.
وبالنتيجة. يكون تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الحكومة غاية في الصعوبة، قياسا على الأحوال الإقليمية الصعبة المستمرة، لأن الأزمة بدرجة كبيرة أزمة ثقة محلية وحصار إقليمي بأزمات مشتعلة لا يبدو أن نيرانها ستخمد في العام 2017.
أمس حول مجلس النواب مشروعي القانونين إلى لجنته المالية. لكن، وبناء على خبرة متراكمة، فإن أقصى ما يستطيع النواب فعله في الموازنة، بموجب الدستور والقانون، هو تخفيض حجم الإنفاق وتصويبه، اقتناعا بأن استمرار التوسع في الإنفاق ليس إلا واحدا من أمراض الموازنة التي يلزم علاجها أو أقلها احتواء تفاقمها.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عام صعب وحاسم (د.حسن اسماعيل)

    الجمعة 2 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    للاسف كل الموازنات السابقة لم تحقق النمو الاقتصادي المرجو ولم تولد وظاءىف جديدة ولم تحسن مستوى معيشة ودخل المواطن بل زادت المديونية لرقم خيالي! ولا تستطيع تسديد اقساط خدمة الدين ! ....ومتى سيكون ذلك ؟وكيف؟!!!....
  • »طبع لا يتغير أبدا !! (مواطن)

    الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    خطط ضبط الإنفاق قال !! وضحك على ذقوننا وإجتماعات وكلام فارغ كثير هنا وهناك يصب في هذا الموضوع "الجباية"، طبعا لأنهم متأكؤون على التمويلات الخارجية ومطمئنين آخر إطمئنان، لعيشوا هم وعائلاتهم وتمتلآ جيوبهم بالمصاري ولنموت نحن وعائلاتنا.
  • »ضرائب ورسوم المحسوب حسابهم (بسمة الهندي)

    الخميس 1 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    مجلس النواب محسوب حسابه في نفقات الميزانية، مثل بقية المحسوب حسابهم، وغالباً اللي محسوب حسابهم هم الأكثر تفهما وتأييدا لزيادة ايرادات الميزانية كيفما كان؛ محسوب حسابهم سواء تحسن أو تراجع الوضع الاقتصادي.
    من جانب آخر، فالموظفون التنفيذيون لصندوق النقد الدولي المسؤولون عن ملف الأردن يبدو لي أنهم متواطئون في تناقض واضح مع توجهات إدارة الأبحاث في الصندوق Research Department - نفس الفيلم يحدث مع مصر وحدث مع اليونان – وبما لا ينسجم أيضا مع توصيات مكتب التقييم المستقل IEO التابع للصندوق والذي يحذر دائما من أن التدخل السياسي يلوث التحليل الاقتصادي الفني للصندوق؛ "مصداقية الصندوق تنبع من تخصصه الفني ومن استقلالية موظفيه وعلى الإدارة أن تضمن أن يكون عمل الصندوق الفني محمي من أي تأثير سياسي". تلك المبالغة في التوقعات والاستهانة بالعواقب يجب أن تتوقف.
    موافقة هؤلاء الموظفون على هكذا اجراءات ثبت فشلها يشي بانهم يعانون من ضعف فني افتصادي واضح أو من عدم استقلالية بسبب تدخل سياسي أو الإثنين. هؤلاء الموظفين أساؤوا لمصداقية الصندوق وأضروا باقتصادنا.