مصير العلاقات الأميركية-الصينية

تم نشره في الجمعة 2 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

مينغهاو زهاو*

بيجين- غيرت صدمة فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية كل الحقائق التي شكلت السياسة الأميركية، كما غيرت كيفية تفكير العالم حول الولايات المتحدة. وعلى ترامب الآن مواجهة التفاصيل الجوهرية لإدارة العلاقات الدولية للولايات المتحدة، ويمكننا القول إنه ليس هناك ما هو أكثر أهمية للعالم من العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. لكنها أيضا تمثل العلاقة التي كانت موضع شك خلال حملة ترامب.
يمكن للرئيس المنتخب أن يُعَقد العلاقات الثنائية، خاصة أن السنة الأولى من ولايته ستتزامن مع المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني في الخريف المقبل. وفي عالم مثالي، يجب على ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ الحفاظ على علاقات مستقرة بين الولايات المتحدة والصين. لكن هذا سيكون صعباً، ليس فقط بسبب خطاب ترامب حول الخوف من الصين، وإنما أيضاً بسبب الخلافات المستمرة حول المطالب الإقليمية الصينية في بحر الصين الجنوبي والطموحات النووية لكوريا الشمالية. وعلاوة على ذلك، يمكن أن تكون العلاقات بين الولايات المتحدة والصين ضحية لخلافات داخلية في الولايات المتحدة حول التجارة العالمية، وقيمة الدولار، والحمائية. 
يعلم العديد من المراقبين الصينيين أن ترامب سيضطر للتعامل مع الانقسامات غير المسبوقة في بلاده. وستتم مهاجمته ليس فقط من جانب الديمقراطيين المصدومين، بل أيضاً من قبل الجمهوريين الذين عارضوا ترشحه، سواء في السر أو العلن. وفي ظل هذه الظروف، فإنه سيضطر إلى التركيز على إعادة ترتيب البيت الأميركي. لكنه إذا كان يخلط هذا الجهد مع توجه حملة "أميركا أولاً"، فمن المرجح أن يكون هناك المزيد من التوتر.
بالإضافة إلى السياسة الداخلية، شهد النظام الدولي صدمات عدة في السنوات الأخيرة، وتغييراً عميقاً في السياق العالمي للعلاقات بين الولايات المتحدة والصين. وتشير الصراعات التي طال أمدها في أوكرانيا وسورية إلى قيام حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا. والاضطرابات في تلك البلدان، وكذلك في أماكن أخرى، هي المسؤولة عن الاضطراب المتزايد في الاقتصادات الوطنية والأنظمة الأمنية.
بصفتهما من بين القوى الرئيسية في العالم، يجب على الولايات المتحدة والصين العمل معا في مثل هذه الظروف غير المستقرة. اليوم، تُلمح العلاقة المتقلبة بينهما إلى التعاون، جنباً إلى جنب مع احتدام المنافسة. وليس من المستغرب أن يتمتع هذا الملمح باهتمام العالم بشكل كبير.
كان الرئيس باراك أوباما يعزز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة وحول جيران الصين، مع حشد التحالفات الأمنية في آسيا، والتدخل بشكل علني في النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي. وتعد القيادة الصينية هذه التحركات محاولة "لاحتواء" الصين، فضلا عن اتفاق شراكة التجارة عبر المحيط الهادئ لاثنتي عشر دولة مقترحة.
وفي حين كانت الولايات المتحدة تحاول إعادة توازن استراتيجيتها الجيوسياسية في اتجاه آسيا، كانت الصين تؤكد حضورها العالمي في المبادرات الأمنية الجديدة والتنمية الدولية، بما في ذلك مشروع "حزام واحد، طريق واحد"، الذي سيربط الاقتصاد الصيني مع بلدان أوراسيا. وبالمثل، فإن البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي تقوده الصين -والذي تراه الولايات المتحدة كأداة صينية لتحدي النظام الدولي الحالي- ما يزال يجذب هؤلاء الأعضاء المحتملين البعيدين مثل كندا، التي ستنضم في آب (أغسطس).
سوف تجعل المنافسة الخاسرة بين الولايات المتحدة والصين الصراع بين البلدين أكثر احتمالاً. وهناك نقطة صدام محتملة تتمثل في برنامج الأسلحة النووية لكوريا الشمالية. فقد اتخذت الولايات المتحدة بالفعل تدابير لمنع كوريا الشمالية من مهاجمتها، أو كوريا الجنوبية، من خلال أنظمة الدفاع الصاروخي المدعومة. ويمكن لإدارة ترامب الجديدة أن تستمر في هذه الجهود مع العمل العسكري لزيادة الضغط على الصين. لكن من شأن أي جهود لجلب تكنولوجيا الأسلحة النووية إلى اليابان أو شبه الجزيرة الكورية، الأمر الذي أعلن ترامب أنه مقبول خلال الحملة، أن تخلق أزمة في شمال شرق آسيا، والتي لم يشهد العالم مثلها منذ الحرب الكورية.
كما يمكن أن تصطدم الولايات المتحدة مع الصين بشأن تايوان. فقد كانت العلاقات بين تايوان والبر الرئيسي للصين سلمية إلى حد ما منذ أزمة مضيق تايوان في 1995-1996، عندما أرسل الرئيس الأميركي بيل كلينتون وقتها مجموعة حاملات الطائرات القتالية الأميركية إلى المضيق. لكن تايوان ما تزال قضية حساسة للغاية -وانفعالية- بالنسبة للصين. وإذا ساءت العلاقات مع الجزيرة، فيمكن حدوث الشيء نفسه في العلاقة بين الولايات المتحدة والصين.
سوف يستفيد العالم عندما تبقى العلاقات بين الولايات المتحدة والصين على المسار الصحيح، لذلك يجب على الدول أن تكون أكثر شفافية حول مصالحها الوطنية. ومع اتخاذ مواقف محددة بوضوح، يمكن لكل بلد اتباع سياسة ضبط النفس الاستراتيجي، وتجنب عرض قوتها التي اجتذبتها في بعض الأحيان في الماضي.
إذا اندلع الصراع بين الولايات المتحدة والصين، يمكن أن يخرج تحديث الصين عن مساره، وسيضيع "الحلم الصيني" الذي أعلن شي على أنه هدف الشعب الصيني. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الانهيار الدبلوماسي يدل على أن الصين قد "فُقدت"، كما كان يعتقد أنها فُقدت في السابق عندما هزم ماو تسي تونغ شيانغ كاي شيك، النظامي القومي التي دعمته الولايات المتحدة في العام 1949. وعلى نطاق أوسع، من شأن عداء الولايات المتحدة للصين أن ينتشر في جميع أنحاء العالم، ويربك الجهود الدولية لمواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ.
لتجنب هذا السيناريو على المدى القصير، يجب على الولايات المتحدة والصين تشكيل فريق مشترك يتضمن كبار المسؤولين ذوي الخبرة وخبراء بارزين من كلا الجانبين. ويمكن أن ترسم هذه المجموعة مسار العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في العام 2017، وتحدد الصراعات المحتملة، وتقدم حلولاً قبل وصول التوترات إلى مرحلة الغليان. ومع وضع إطار دبلوماسي جديد للعلاقات الثنائية، يمكن للولايات المتحدة والصين درء المواجهات الاستراتيجية.
على المدى البعيد، تحتاج الولايات المتحدة والصين إلى حوار أعمق ورؤية مشتركة للنظام الدولي، لكي لا تنجذب البلدان الفردية نحو تشكيل مجموعات متنافسة فيما بينها. ويجب على الولايات المتحدة والصين أيضا أن تعملا معاً نحو "عولمة 2.0"، من خلال إصلاح القواعد والمؤسسات الدولية لاستيعاب البلدان الصاعدة والناشئة.
في حين أن هناك إمكانية كبيرة لحدوث الصراع بين الولايات المتحدة والصين في السنوات المقبلة، توجد أيضا مساحة لتحسين التعاون. في الواقع، في ظل عدم اليقين الواسع الذي أنتجه فوز ترامب، هناك الآن حاجة ملحة إلى علاقة جديدة ذات أهمية استراتيجية أكثر من أي وقت مضى، نظرا للظروف العالمية المتغيرة، والجغرافيا السياسية الإقليمية، والتحديات الداخلية في كل من الولايات المتحدة والصين.
يجب على ترامب الآن الاختيار بين التعاون والمواجهة كإطار لسياسة الولايات المتحدة تجاه الصين. وينبغي أن يكون اختياره واضحا: التعاون لإصلاح النظام الدولي سيفيد كلا الجانبين.

*زميل بحث في معهد تشارهار في بكين، وزميل مشارك في معهد تشونغيانغ للدراسات المالية في جامعة رينمين الصينية، وعضو اللجنة الوطنية الصينية في مجلس التعاون الأمني في آسيا الباسيفيك.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق