محمد برهومة

مواجهة إضعاف قوة الأردن الناعمة

تم نشره في الجمعة 2 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:09 صباحاً

قبل أيام، كتب زميل في "الغد" ما معناه أنه إذا أردتَ أن تقيس مستقبل الأردن، فعليك أن تنظر إلى حال جامعته الأولى؛ "الجامعة الأردنية". وهي حال صارت تدعو إلى التشاؤم؛ عقب سلسلة من المشاجرات الجماعية والعنف الجامعي على أسس مناطقية بين طلبة في الجامعة واجهوا زملاءهم في الدراسة بالأسلحة البيضاء والسيوف، مستنجدين بمددٍ من شباب عوائلهم وأحيائهم ومعارفهم لدعمهم في معركة "كسر خُشوم" خصومهم الجامعيين.
الجامعات بعدما كانت "نفط الأردن" وأهم موارده، أصابتها التصدعات، وصارت ساحة لتظهير الانقسامات والظواهر المَرَضية، بعدما كانت لعقودٍ ميداناً عملياً لإنتاج النخب وتصديرها للخارج، إلى جانب دورها الأساسي في تفكيك إشكالات الهوية الوطنية الأردنية وتذويب ثنائياتها لمصلحة هوية مدنية جامعة، أبعدت البلد، في ظل نظام سياسي يتسم بالمرونة والاعتدال، عن دوائر الخطر والنيران المشتعلة في كل صوب.
اليوم، تكاد تتفق النخبة المثقفة في الأردن على أنّ حالة الاستقرار التي تعيشها المملكة، في ظل جوار ملتهب، تنطوي، في الحقيقة، على مصادر تأزيم موضوعية تشكّل تهديدات حقيقية قد تأكل من حالة الاستقرار، في حال استمرار انتشار منظومة الفساد التي ضعضعت الطبقة الوسطى، تلك التي لم تعد تنظر إلى نفسها كفاعل مؤثر، وراحت تقوم بإدارة شؤونها بعيداً عن النخبة السياسية والاقتصادية المتنفذة، ما عنى تراجع الدافعية لتبني الثقافة كمشروع حياتي يستحق النضال والتضحية.
والثابت أنه بضعف الطبقة الوسطى أو تآكلها في أي مجتمع، تغيب الإجماعات الوطنية العريضة، والتوافقات القيمية المشتركة المؤسِّسة للاستقرار المستدام غير القِشري. وهو ما انعكس بالفعل في الجامعات الأردنية، التي، وإنْ حافظت على سَويّة أكاديمية جيدة مقارنة بكثير من نظيراتها العربيات، فإنها لم تخلُ من ظواهر مقلقة تعكس، في حصيلتها، أزمة التعليم المدرسي، حيث تتكرس في حياة الطلبة الجامعيين، بخلاف العقود الماضية، الهويات الأولية والمناطقية، فتأخذ من نصيب الثقافة الوطنية الجامعة، وتشيع بين الطلبة المحافظة الدينية فتقضم من حصّة الانفتاح والتمدن والاعتدال وبعض مظاهر الليبرالية الاجتماعية التي انتشرت قبل عقود في الجامعات الكبرى في الأردن، لتحلّ بدلاً منها في السنوات الأخيرة ثقافة متشددة تُسوّغ للتمييز على أساس الجندر وسوى ذلك من أقانيم التأخر الاجتماعي. وفي وضع كهذا، يغيب التجانس القيمي في الطبقة الوسطى، وتنزع أكثر فأكثر إلى البحث عن هوية مضطربة، لا تعبأ بتمثّل كونية القيم الإنسانية، فتتكئ على التصورات الميتافيزيقية التي تعزز من ميلها للعنف ومن انكفائها وضعف رغبتها في صناعة مصيرها على أسس عقلانية؛ في ظل التردد الحكومي إزاء الإصلاحات السياسية الحقيقية وتأجيلها المتكرر، الأمر الذي أضعف وظيفة الأداة الانتخابية كأحد مفاتيح العملية الديمقراطية وتجديد المجتمعات والنخب ومراجعة الأخطاء، فأصبحت الانتخابات وسيلة لتثبيت الواقع الاجتماعي وإضفاء الشرعية على ما فيه من خلل وأمراض وفساد.
إنّ العمل على استعادة كامل الثقة بالتعليم الجامعي الأردني، وضمان البيئة الآمنة للتعليم العالي، واحترام هيبة الحرم الجامعي، إنما هو جزء أساسي من صورة الأردن الذهنية. والإخلال بهذا الأمر تفريط في دعائم القوة الناعمة الأردنية، التي لطالما كانت جودة التعليم في صلب هذه الدعائم، بما يعنيه من موارد بشرية كفؤة ومدربة وجادة ومنافسة، وبما يحمله هذا التعليم من قيم الاعتدال والتسامح والإيجابية والعصامية والكفاح لتحقيق الذات ونبذ العنف، وبما تملكه الجامعات من أدوات لتوسيع مظلة القواسم المشتركة بين الطلبة وتعزيز الانتماء الوطني، وإعادة صياغة تنوعاتهم ومشاربهم ومنابتهم المختلفة باتجاه توليد هويات هجينة جامعة ومشذبة تتجاوز الانتماءات الضيقة والهويات المغلقة... والقاتلة.

التعليق