الحرب الشعبوية على المرأة

تم نشره في السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً

سلومير سييراكوفسكي*

وارسو، بولندا- كان ياروسلاف كاتشينسكي ودونالد ترامب اثنان من الساسة الذين صدموا العالم خلال العام الماضي، وكادوا يفلتون من العقاب على انتهاكاتهم الشنيعة. ولكن ليس بعد الآن.
عندما وصل حزب كاتشينسكي (القانون والعدالة) إلى السلطة في العام الماضي، استولى على الفور على أدوات السيطرة على المؤسسات البولندية الرئيسية، بما في ذلك المحكمة الدستورية، ومكتب المدعي العام، ووسائل الإعلام العامة ومؤسساته، بل وحتى اسطبلات الخيل المملوكة للدولة. ولأن حكومة حزب القانون والعدالة ورثت اقتصاداً سليماً وموقفاً مالياً قوياً، لم ير كاتشينسكي الحاجة إلى وزير للمالية، ولهذا، أُلغي المنصب مؤخراً.
وكان ترامب منخرطاً أيضاً في سلوكيات كانت لتُعَد في الظروف العادية دليلاً على عدم أهليته سياسياً: مهاجمة أبوي جندي أميركي مسلم قُتِل في المعركة، والسخرية من مراسل صحفي معاق، والطعن في مصداقية السيناتور جون ماكين لوقوعه في الأسر خلال حرب فيتنام (حيث احتُجِز وعُذِّب لأكثر من خمس سنوات). والجميع يشعرون بالغضب الشديد إزاء كل هذا، باستثناء ناخبي ترامب.
ربما كان هذا الحال ليستمر. ولكن كاتشينسكي وترامب وجدا نفسيهما مؤخراً في مواجهة قوة سياسية لم يحسب أي منهما لها حساباً: النساء.
قبل الانتخابات البرلمانية العام الماضي في بولندا، اقترحت المنظمة اليمينية المتطرفة (أوردو لوريس) فرض حظر شامل على الإجهاض، وهو الحظر الذي قد يذهب إلى ما هو أبعد من تشريعات بولندا الحالية، والتي هي بالفعل من أكثر التشريعات تقييداً وصرامة في أوروبا، من خلال إرغام النساء على الولادة حتى في حالات الاغتصاب، وزنا المحارم، والمخاطر الصحية، وعيوب الأجنة القاتلة. ولكن في الوقت نفسه جرى تقديم اقتراح تشريعي آخر لتحرير قوانين الإجهاض، بما في ذلك إدخال التربية الجنسية في المدارس، وضمان التغطية التأمينية لوسائل منع الحمل.
ورغم أن حزب القانون والعدالة وَعَد رسميا بأن البرلمان لن يرفض مشروع القانون الأخير في القراءة الأولى، فقد طُرِح التشريع الذي يُجَرِّم الإجهاض للتصويت البرلماني، ورُفِض الاقتراح المؤيد لحق الاختيار. وبشكل عفوي نزلت مجموعات حاشدة من النساء إلى الشوارع إعرابا عن احتجاجهن.
على مدار ما يقرب من العشرين عاماً، كان البولنديون يعتقدون أن قوانين الإجهاض من غير الممكن أن تتغير، نظرا لقوة الكنيسة الكاثوليكية وتبعية الطبقة السياسية للسلطات الدينية. ولكن الممثلة كريستينا ياندا، التي لعبت دور البطولة في فيلم أندريه فايدا "رجل من حديد"، دعت النساء البولنديات إلى إطلاق إضراب عام. وفي الثالث من تشرين الثاني (أكتوبر). وبدلاً من الذهاب إلى أعمالهن، خرجت النساء للاحتجاج، على غرار نموذج نساء أيسلندا في العام 1975، عندما امتنعت 90% منهن عن الذهاب إلى العمل فأصيبت البلاد فعلياً بالشلل.
وانطلقت المظاهرات حتى في المدن الصغيرة، حتى على الرغم من الطقس السيئ. كما تجمعت النساء خارج مقر حزب القانون والعدالة، معقل السلطة الحقيقي في السياسة البولندية. وفي التضامن مع النساء البولنديات، نزلت النساء، من كينيا إلى برلين، إلى الشوارع وهن يرتدين السواد.
للمرة الأولى منذ عودة حزب القانون والعدالة إلى السلطة في العام الماضي، تملك الخوف من كاتشينسكي. وفي اليوم التالي، جعل حزبه يصوت برفض الاقتراح المناهض للإجهاض. ولم يسبق له من قبل قَط أن تصرف على نحو مماثل.
في الولايات المتحدة، بدأت حملة ترامب الرئاسية تنهار فقط عندما جرى الكشف عن تفاخره بالاعتداء جنسياً على النساء. وسرعان ما بدأت النساء اللاتي تعرضن لاعتداءاته تتقدمن وتصفن ما حدث لهن.
وانكسر سِحر ترامب. وانسحب عدد كبير من الناخبين المستقلين -والعديد من الجمهوريين. وألقت ميشيل أوباما خطاباً عاطفياً وصفت فيه كيف صدمها سلوك ترامب، وتحدثت بطريقة ما كانت لتتمكن منافِسة ترامب هيلاري كلينتون من استخدامها بسبب تاريخ زواجها المعقد. وانهار دعم ترامب وخاصة بين نساء الضواحي. وتشير نتائج استطلاعات حديثة إلى أن معدل تأييده بين النساء انخفض من 39 % إلى 29 % في غضون يومين.
ومع هذا لا يبدو أن أياً من ترامب أو كاتشينسكي على استعداد -أو ربما لديه القدرة- على تغيير اتجاهه. فبعد سحب تأييده لاقتراح أوردو لوريس، لم يتمكن كاتشينسكي من ترك القضية لشأنها، فأعلن في الثالث عشر من تشرين الأول (أكتوبر): "سوف نسعى جاهدين إلى إخضاع حتى حالات الحمل شديدة الصعوبة، عندما يكون مصير الطفل الموت المحتم أو التشوه بدرجة خطيرة، حتى يتسنى تعميد ودفن وتسمية ذلك الطفل". لذلك، دعت النساء إلى إضراب عام آخر في الرابع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر).
كان كاتشينسكي ميالاً دائماً إلى التدمير الذاتي. فعندما شغل منصب رئيس الوزراء في العام 2007، سَلَّم خصومه السلطة على طبق من فِضة، بالهجوم على شريكه في الائتلاف، حزب ساموبرونا، والدعوة إلى عقد انتخابات مبكرة. ومرة أخرى، يبدو أن كاتشينسكي ذاته سيكون أكبر عدو لنفسه.
هذه المرة، نجح كاتشينسكي (الذي لا يشغل أي منصب حكومي رسمي) أولاً في توحيد التيار السياسي الرئيسي (الذي أطلق عليه وصف "أسوأ فئة" بين البولنديين) ضده بمهاجمة الديمقراطية الليبرالية. والآن، من خلال مواصلة حربه على النساء اللواتي يشكلن غالبية في بولندا، نجح في توحيد التيار الرئيسي مع اليسار وتسييس وتحفيز الشباب في البلاد. فبعد تعليقات كاتشينسكي الأخيرة مباشرة، بدأت النساء يتجمعن أمام منزله، ويحذرنه: "إذا كنت تريد أن تتطفل علينا في فراشنا، فسوف نتطفل عليك في بيتك".
وفقا لاستطلاع رأي أجرته صحيفة رزيكزبوسبوليتا، يؤيد 69 % من المشاركين ما يسمى "الاحتجاج الأسود" الذي أطلقته النساء. وإذا أصبح إضراب الرابع والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) أكبر من المظاهرات العفوية التي شهدها الثالث من أكتوبر، فمن المؤكد أن دعم حزب القانون والعدالة سوف يهبط بشكل كبير للمرة الأولى منذ تولى السلطة، وسوف تجد بولندا نفسها في وضع سياسي جديد.
شدد ترامب أيضا شدد خِناق التمييز الجنسي، فحَمَّل وسائل الإعلام اللوم عن محنته، ووصف واحدة من منتقديه بأنها "امرأة بشعة"، مضيفاً: "صدقوني... لن تكون اختياري الأول". وفي خطاب مباشر لمؤيديه الكثيرين من المؤمنين بتفوق ذوي البشرة البيضاء بين من يطلق عليه وصف "اليمين البديل"، بدأ أيضاً ينغمس في مجاز كلاسيكي مناهض للسامية، فاتهم كلينتون بأنها "تجتمع سِراً مع بنوك دولية للتخطيط لتدمير سيادة الولايات المتحدة من أجل إثراء هذه القوى المالية العالمية".
ولكن الأميركيين لا يصدقون مثل هذه الأباطيل؛ ولا يصدقها البولنديون. ولن يكون مصير ترامب، وربما كاتشينسكي، سوى الهزيمة على يد أولئك الذين ينكران عليهم حقهم في الكرامة والمساواة، والنساء في صدارتهم.

*مؤسس حركة كراتيكا بوليتزنا، مدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق