في عهد ترامب.. لن تعود الولايات المتحدة منارة العالم الحر

تم نشره في السبت 3 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً
  • مدخل "برج ترامب" في نيويورك - (أرشيفية)

ريتشارد وولف - (الغارديان) 23/11/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يستطيع دونالد ترامب بطريقة ما أن يغرق كل شيء. بطريقة ما، يستطيع تخفيض المعايير إلى النقطة التي يستطيع معها اللعب وفق طائفة مختلفة من القوانين. وبطريقة ما، يهز الإعلام والمسؤولون المنتخبون أكتافهم فقط ويبتعدون.
باعترافه الخاص، يتفاوض الرئيس المنتخب على صفقات تجارية، في وقت كان فيه نظراؤه الرؤساء السابقون، كما تعرفون، يملأون المناصب الوزارية ويهيئون لانتقال السلطة. وقد اجتمع مع شركائه التجاريين الهنود، ووقعت منظمة ترامب صفقة في كلكتا في الأسبوع الماضي.
وكما ذكر ترامب في تغريدة على "تويتر" في الأسبوع الماضي: "قبل الانتخابات كان معروفاً جيداً أن لي مصالح في ممتلكات في كل أرجاء العالم. الإعلام الماكر فقط هو الذي يجعل من هذا مسألة كبيرة!".
وشرح ترامب هذا بمزيد من التفصيل، ولو بطريقة غير مترابطة منطقياً، حيث قال في مقابلته مع صحيفة "نيويورك تايمز": "لقد بنيت شركة كبيرة جداً، وهي شركة كبيرة ومنتشرة في كل أرجاء العالم. لقد بدأ الناس يرون، عندما ينظرون إلى هذه الأعمال المختلفة، كما ما في الهند وأشياء أخرى، أولاً، عمل مثل هذا يبني علاقات كبيرة مع شعب الهند، لذلك هذا كله جيد".
"هذا كله جيد" هو في الحقيقة طريقة ترامب في المزج بين أعماله وبين الشؤون السياسية. وقد ادعى أن "القانون يقف كلية إلى جانبي، ما يعني أن الرئيس يمكن أن يكون لديه تضارب في المصالح".
بعبارة أكثر وضوحاً: الاستفادة من الرئاسة لن تكون تضارباً غير عادي للمصالح.
لا يتعلق هذا بما إذا كان ترامب يفضل بلداً أو رئيساً على آخر، أو يمنح عقداً لشركة أو أخرى، أو ينفق مزيداً من الوقت وهو يجمع المال لنفسه أكثر مما ينخرط حتى العظم في السياسة.
ثمة قوانين في الكتب حول الأعمال التجارية الأميركية التي تؤثر على المسؤولين الأجانب بالدفعات المالية أو بإغراءات أخرى. والقانون يدعى "قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة"، وهدفه القضاء على أي ممارسات للرشوة عند أي مواطن أميركي.
والرشوة هي ما يصفها القانون بأنها أي معروف أو دفعات تعطى لمسؤولين أجانب في مقابل صفقات تجارية. ليس تضارب مصالح.
أما المعروف والدفعات التي تذهب في الاتجاه الآخر -إلى جيوب الرئيس- فهي فاسدة بوضوح بالغ، بحيث منعها الآباء المؤسسون في الدستور.
يحظُر ما يدعى بند التعويضات قبول الهدايا والألقاب من القوى الخارجية كما يلي: "لا يجوز لأي شخص يشغل منصباً ينطوي على الربح والائتمان أن يقبل أي هدية أو تعويض أو منصب أو لقب مميز من أي نوع كان من أي ملك أو أمير أو دولة أجنبية".
إن هذه الفقرة هي التي تقود إلى التزام استثنائي بالقواعد عندما يتعلق الأمر بأي وكل الهدايا التي تسلمها البيت الأبيض وكل وزارة أخرى: من غطاء سرير محاك منزلياً إلى ساعة رولكس.. كل شيء مفصل، ومعلن عنه، ويتم تسليمه. ويستطيع المسؤولون الاحتفاظ فقط بالهدايا التي تصل قيمتها إلى 375 دولاراً إذا دفعوا قيمتها للحكومة الأميركية.
سوف تكون هذه العملية صعبة في داخل عالم العقارات الدولي، حيث تستطيع القوى الأجنبية منح هدايا تتراوح بين تصاريح التخطيط وبين الاستثمار في أموال ثروة سيادية. وتطول القائمة ولا تنتهي.
الآن، لا نعرف ما إذا كان دونالد ترامب قد بحث موضوع استثمار "بوينس آيريس" مع الرئيس موريشيو ماكري الأرجنتيني، لكننا نعرف مسبقاً أن ابنته، إيفانكا -التي تدير حاليا أعمال العائلة- كانت مشاركة في المحادثة الهاتفية.
لا نعرف ما إذا كانت هناك أي اقتراحات بأن الرئيس موريشو ماكري يستطيع أن يتوقع أي مزايا لنفسه أو لبلده. وقد نفى الناطقون بلساني الرئيس الأرجنتيني ماكري، والأميركي المنتخب ترامب، تقارير تحدثت عن مزج أعمال ترامب مع السياسة في المكالمة الهاتفية.
لكننا نعرف مسبقاً أن مشروع بوينس آيرس الذي كان مجمداً منذ منذ وقت طويل، بدأ يمضي الآن قُدماً: وهي أخبار ظهرت بعد ثلاثة أيام وحسب من المكالمة بين ماكري وترامب.
بالنسبة لرئيس كان قد رفض الإعلان عن عوائده الضريبية، فإن الحاجة إلى الشفافية ليست واضحة بالضبط. وعلى أي حال، فإن حقيقة مجرد خوضنا في هذا النقاش تقول لكم شيئاً كبيراً عن رئاسة ترامب قبل أن تبدأ رسمياً.
كان وعد ترامب لناخبيه هو أنه غير قابل للفساد لأنه مستقل من ناحية الثروة إلى درجة لا يستطيع معها أحد لمسه. وقد عرف كيف يجفف المستنقع لأنه كان قد عاش فيه لفترة طويلة من الزمن، وهو يشتري يبيع الساسة المتسولين للعديد من الأعوام، وهو ما جعله مريضاً.
كان هذا النقاش قائماً دائماً، لكن العديد من الناخبين اشتروا تبريراته. وقد أصبح واضحاً بعد أسبوعين فقط من الانتخابات أن ترامب ليس لديه أي اهتمام بالفصل بين ثروته الخاصة وبين أجندته السياسية.
لن يكون الضرر الناجم مقصوراً على ثقة الجمهور في حكومة الولايات المتحدة. فأن تكون قائداً للعالم الحر ليس مفهوماً عادياً. ويجمع مصطلح "الحرب الباردة" هذه الفكرة التي طالما حظيت بالتقدير: أن الولايات المتحدة هي منارة الحرية والديمقراطية للعالم.
بينما اقتربت فترته الانتقالية من نهايتها، لخص الرئيس المنتخب في حينه، كنيدي، فكرة خطابه الأخير في بوسطن في كانون الثاني (يناير) من العام 1961 أفضل ما يكون، حين قال: "لقد استرشدت بالقائد، جون وينثروب، الذي وقف أمام رفاقه في السفينة "أربيلا" قبل 331 عاماً بينما كانوا يواجهون هم أيضاً مهمة بناء حكومة جديدة على جبهة خطيرة. وقال: ‘إن حقيقة أننا سنكون مدينة فوق التل، تعني أن عيون كل الناس ستنظر إلينا".
الآن، تتسلط عيون العالم على فترة ترامب الانتقالية. وهم يرون رئيساً منتخباً خسر الصوت الشعبي بأكثر من مليوني صوت، نقطتين في المائة تقريباً.
وهذه فكرة يصعب على الديمقراطية شرحها لعالم يكافح ضد الأنظمة الاستبدادية، حيث يتم تجاهل وعدم احتساب الأصوات بشكل روتيني. وقد أصبح عمل ترويج الديمقراطية من جانب "المنحة القومية للديمقراطية"، التي كان قد أسسها الرئيس الراحل ريغان، صعباً بطريقة لا يمكن وصفها نتيجة لانتخابات العام 2016.
كما أصبح عمل نشر الحكومات الخالية من الفساد على القدر نفسه من الصعوبة نتيجة لصفقات ترامب التجارية. فإذا استطاع الرئيس إثراء نفسه وهو في الرئاسة، فلماذا لا يستطيع عندها رئيس بلد نامٍ تنظيم عمل تجاري خاص به وعمل الشيء نفسه؟ ولماذا لا يجب عليهم عمل الشيئين معاً؟
بعد كل شيء، وكما قال ترامب للتايمز: "من الناحية النظرية، استطعت أن أدير أعمالي بطريقة رائعة، ولذلك أستطيع إدارة البلد بشكل رائع".
إن الفساد -السعي إلى تحقيق فائدة شخصية من جانب مسؤولين حكوميين، والتي تكون مستقاة من أدوارهم- هو طاعون يجعل الناس الأكثر ضعفاً في العالم منذورين للفقر أو إلى عدم وجود خدمات عامة. وإذا لم تستطع الولايات المتحدة التحدث بمصداقية عن الحاجة إلى اجتثاث صراع المصالح، فإن العالم سيعاني في سبيل القضاء على الفساد وتحسين حياة الناس الأكثر فقراً في الكرة الأرضية.
إن أميركا في حاجة إلى القيادة بأن تكون نموذجاً ومثالاً، ويبدأ هذا بالرئيس. وليس هذا تعارضاً في المصالح. إنه مصلحة قومية.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Under Donald Trump, the US will no longer be the beacon of the free world

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق