الحلقة الأولى

عربيات: عشائر الأردن شاركت بجميع ثورات فلسطين

تم نشره في الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:41 مـساءً - آخر تعديل في الاثنين 5 كانون الأول / ديسمبر 2016. 09:47 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)
  • والدة عربيات تتوسط أبناءها- (ارشيفية)
  • عبداللطيف عربيات يتوسط شقيقين له في صورة تذكارية
  • › حلقات سابقة

محمد خير الرواشدة


عمان - تبدأ "الغد" اليوم بنشر سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع الدكتور عبد اللطيف عربيات، الذي سيستذكر محطات ومفاصل من حياته الدراسية والمهنية والسياسية.
وفي خط زمني منتظم يسترسل عربيات في الحديث مع "الغد" عن تفاصيل حياته منذ تفتح وعيه على العمل التنظيمي مع جماعة الإخوان المسلمين، والفرص التي أتيحت له لالتقاء علماء ومفكرين أسسوا لفكر الجماعة.
وفي الحلقة الأولى من حلقات "سياسي يتذكر" يقدم عربيات جانبا من تفاصيل حياته الاجتماعية في مدينة السلط ودراسته الابتدائية والثانوية، التي تزامنت مع أحداث النكبة الفلسطينية العام 1948.
ويكشف عربيات اليوم عن تفاصيل قصة استضافة والده لعائلة من اللاجئين الفلسطينيين في منزلهم، بعد أن خصص لهم جانبا من بيت العائلة، وكيف أن العلاقة بين العائلتين ماتزال مستمرة حتى يومنا هذا.
وينقل عربيات في الحلقة الأولى صورة عن واقع مرور الجيوش العربية من السلط باتجاه فلسطين، ويستذكر بطولات لشخصيات أردنية في الحرب ضد الإسرائيليين، ويصف كيف كان الناس يصطفون على جنبات الطريق لتحية المجاهدين.
وعن تلك الفترة يقول عربيات إن الأهالي كانوا يقدمون التبرعات المجزية لتحضير المقاتلين من الأردن والكتائب العربية القادمة من سورية والعراق ولبنان، وكانت تجمع التبرعات النقدية ومصاغ النساء الذي كان يقدم بكميات كبيرة.
واليوم يكشف عربيات عن الأسباب التي دفعت به لتأجيل دراسة الصف السابع (الأول الإعدادي) حتى يتمكن من مساعدة والده رحمه الله في ترميم منزل العائلة، إلا أن هذا القرار كان سببا في غضب أساتذته عليه، ما دفع بواحد منهم للتوجه إليه وإعطائه مبلغ رسوم التسجيل ظنا منه أنه لا يملك ثمن الرسوم الدراسية، إلا أن عربيات شرح ظروفه، وأعاد السنة الدراسية بعد ذلك ونجح بتفوق.
وفي سياق تلك المرحلة يروي عربيات عن جوانب سياسية واجتماعية أثرت وعي الأجيال، كان على رأسها النكبة الفلسطينية العام 1948، ووحدة الضفتين ثم الانتخابات النيابية العام 1949، وما بعدها من انتخابات، ووضع الدستور الأردني العام 1952، وما تضمنه من رسم هوية الأردن من أنه جزء من الأمة العربية، والإسلام دين الدولة وحقوق المواطنين وواجباتهم وحرية تشكيل الأحزاب وفق قانون العام 1955 والاجتماعات العامة العام 1953، وقدوم معلمين أردنيين من الجامعات العربية المحيطة، وهم يحملون أفكاراً ومبادئ حزبية واضحة وصريحة مع أجواء مبادئ الحريات الدستورية وغيرها.
كل ذلك شكل أوساطاً سياسية واجتماعية وتطلعات فكرية واضحة ومحدودة. كما أن المناطق العربية المحيطة كانت تموج بالانقلابات العسكرية والتحركات السياسية الفكرية والعقائدية كما هي أجواء المنطقة بكاملها، التي هزها الاحتلال الصهيوني لفلسطين العام 48.

* لا بد لنا من بدايةٍ نوضح فيها جانبا من بيئتك الاجتماعية، التي أثرت بك، وشكلت وعيك، خصوصا وأنكم كجيل كامل عشتم ظروفا مختلفة عن ظروف أجيال كثيرة جاءت بعدكم، لنبدأ من هناك؟
- أنتمي إلى عائلة من الطبقة المتوسطة في مجتمع السلط؛ فوالدي هو سليمان سالم سليمان العيد، وهذا أبو الفخذ من أفخاذ عشيرة العربيات المعروفة بالسلط. ووالدتي هي آمنة حسن الهواري الحياري وهذه من كبريات عشائر السلط المعروفة، ووالدتي تنتمي بنسبها أيضاً إلى أخوالها عشيرة أبو حمور المعروفة أيضاً، كما ينتمي والدي بنسبه أيضاً إلى أخواله آل الساكت المعروفين في السلط والأردن.
كان عند والدي رحمه الله عائلة مكونة من ثمانية ذكور وابنة واحدة، وهي أصغرنا وهم: محمد ومحمود ويوسف وعبدالفتاح وعبدالحليم (وأنا السادس)، وأحمد وعبدالقادر والشقيقة شومة، وقد تُوفِّيت أختي البكر واسمها أميرة وهي طفلة، كما توفي أخ أصغر مني واسمه عبدالكريم.
كان والدي رحمه الله يعمل في الزراعة ويستأجر الأرض فوق ما عنده من ملك ويشتغل عنده عمالٌ في الفلاحة، بالإضافة إلى معونة أولاده.

* عشت ظروف النكبة، وتبعاتها، وكان لك في تلك المرحلة ذاكرة متصلة حتى يومنا. نحتاج أن نعرف عن طبيعة مشاعرك تجاه ذلك المشهد، الذي عاشت السلط تداعياته المؤلمة، سواء في استقبال اللاجئين، أو حتى أجواء الحرب؟
- نكبة فلسطين العام 1948 هي نكبة للأمة بكاملها، وكما ذكر رئيس وزراء بريطانيا في العام 1907 في رسالته لرؤساء حكومات أوروبا: "إننا نسعى لإقامة كيان غريب في فلسطين تكون مهمته الأساسية فصل شرق البلاد العربية عن غربها، ويبقى معسكراً متقدماً لنا للسيطرة وإدارة شؤون المنطقة بشكل دائم".
وبريطانيا هي صاحبة وعد بلفور العام 1917 المشهور. المخطط ما يزال هو المخطط والمتابع لذلك بالتعاون مع دول أوروبا، ودخلت الولايات المتحدة اليوم لتدير المخطط وتنفذه.
كنت في الصف السادس الابتدائي عندما قدم إخواننا مهاجرين من فلسطين، والمحطة الأولى في الوسط كانت مدينة السلط، وكان معظم القادمين من الساحل الفلسطيني يافا وحيفا واللد والرملة، ولكن كانت عين كارم غرب القدس أكثر من جاء منها، إذْ سكن كثير منهم في السلط، وبعضهم مايزال يعيش فيها حتى اليوم. كانت دار الإخوان المسلمين في السلط مفتوحة ليلاً ونهاراً لاستقبال اللاجئين، وكانت مركزاً للاجتماعات من أجل جمع التبرعات وتنظيم الخدمات وتوزيع العائلات على بيوت أهالي السلط حتى يتم الاستقرار لهم، وكنا نحن الطلاب الصغار نساعد في الإرشاد في إيصال بعض القادمين إلى الأماكن التي خصصت لهم عند أهالي السلط.
وقد تم قبول الطلاب في مدرسة السلط الثانوية، ومنهم الدكتور إسحق فرحان من عين كارم الطالب في ذلك الوقت، والمهندس عوني الشاكر، والمهندس منير الكيلاني وكلاهما من يافا، وآخرون كثر، ولكنني أذكر هذه الأسماء للصلة المستمرة بهم حتى اليوم.
ومن الصدف أن طالباً لاجئاً قبل معنا في الصف السادس وهو كبير في السن ومتزوج، وكان يحضر معه أحياناً ابنه عيسى، ولكنه لم يستمر معنا لأسباب أخرى خاصة به، وأما إسحق وعوني ومنير فقد أنهوا الثانوية في السلط وكانوا من المتفوقين.

* وما كان نصيبكم من استضافة العائلات من اللاجئين، هل استضفتم في منزلكم أحدا منهم؟
- نعم؛ وأذكر أن والدي رحمه الله خصص قسماً من بيتنا لعائلة من يافا كانت عائلة أبو خالد، وسكنوا معنا عدة سنوات، ثم انتقلوا بعدها إلى الزرقاء. كان خالد فني سيارات، وعمل في الزرقاء، ووالدته وأخوه خميس وأخته الصغرى أصدقاء لنا، والصغيرة عندهم أصبحت اليوم صاحبة محل ملابس نسائية لبيع الألبسة الشرعية في صويلح، والزيارات بيننا ما تزال قائمة.
كانت مشاركة أهالي شرقي الأردن فيما يجري في فلسطين واضحة وقوية، فمنذ ثورة العام 1936 شارك الكثير من أهالي السلط والبلقاء وعموم عشائر الأردن في ثورات فلسطين، والمؤتمرات الإسلامية التي كانت تعقد في بيت المقدس من أجل نصرة فلسطين.
كما شارك العديد من أبناء السلط في الثورة قبل العام 1948، وكانت أسماؤهم تتردد في قصائد الأفراح والمناسبات العامة ومنهم: أحمد النجداوي، وعبدالرزاق أبو هزيم، وعلي العبويني، وحسين الرجا العربيات، وغيرهم كثير.


* بالتأكيد نرغب في الاستزادة حول الجانب الإنساني لتداعيات النكبة، خاصة أن السلط كانت طريق الجيوش المحاربة، والسؤال هنا عما تحمله ذاكرتك حول تلك الأحداث؟
- في حرب العام 1948، كانت السلط المعبر الرئيسي إلى فلسطين، وكانت كتائب المناضلين وفي مقدمتها كتائب الإخوان المسلمين في الأردن وسورية ولبنان والعراق تمر من السلط، ويقف الناس على طول الطريق للتحية والتشجيع، وكانت تجمع التبرعات النقدية ومصاغ النساء الذي كان يقدم منهن بكميات كبيرة. كما كانت تمر من السلط كتائب الجيش العراقي ويقف أهالي السلط على طول الطريق المار من السلط لتحيتهم وتشجيعهم.
كانت كتائب الإخوان تجهز وتلتحق بالمجاهدين في فلسطين، وفي مقدمتهم كتيبة الإخوان المسلمين في الأردن بقيادة المرحوم عبد اللطيف أبو قورة رئيس جماعة الإخوان المسلمين، والمرحومين ممدوح الصرايرة وهارون الجازي وغيرهم من القادة الذين قادوا كتائب المتطوعين هناك. وكان بجانبهم كتائب الإخوة من سورية ولبنان بقيادة المرحوم الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام، ومجموعة الإخوان في العراق بقيادة المرحوم الشيخ محمد محمود الصواف. كل ذلك كان بجانب كتائب الإخوان في مصر، أولئك الذين جندوا الآلاف للالتحاق بالمجاهدين في فلسطين، وكان لطلاب الجامعات دور كبير، ومن القادة كامل الشريف والقائد أحمد عبدالعزيز الذي تمركز في صور باهر في القدس، وكيف أن كتائب الإخوان في مصر ساعدت وحمت مؤخرة الجيش المصري، ويشهد لهم الجيش المصري وبتضحياتهم. كانت مشاركتهم وتحريك الشعب المصري لهذا الهدف هو السبب الرئيسي لاستشهاد المرحوم الأستاذ البنا رحمه الله في شباط العام 1949.
كانت تعقد في الأردن دورات تدريبية للشباب الذين يريدون الالتحاق بالمجاهدين في فلسطين، وتجمع لهم الأموال والأسلحة بشكل فردي، وبعضهم يلتحق بطريقته الخاصة. وأذكر هنا نموذجاً حياً لرجل مؤمن من عامة الناس، ولكن عقيدته وصفاء نواياه وصدقها جعلته يتصرف بطريقته الخاصة، ألا وهو المرحوم أحمد الدوجان الحياري، كان رحمه الله فلاحاً عادياً وكان ذا قدرة فائقة على القنص، وكان يحضر بعض تدريبات المجاهدين الذاهبين إلى فلسطين ويتشوق للذهاب معهم، وكان يشاركه في حضور تدريبات واجتماعات يقيمها المجاهدون في كتائب الإخوان المرحوم أحمد محمد عربيات.
في أثناء الحرب كان المرحوم أحمد الدوجان يحصد القمح في منطقة القسام الغربي جنوب السلط حيث يسكن، وكان يسمع أصوات المدافع في القدس وهي مقابلة له ويراها بالعين المجردة، وكان كثير التحدث عن الجهاد، فهزه ما سمع ورأى أثناء قيامه بالحصاد ما يجري في القدس، فقرر الجهاد وترك ما بيده، من منجل الحصاد، وذهب إلى أهله، وودعهم وحمل بندقيته وأخذ طعامه الفردي ومشى على قدميه ليلتحق بالمجاهدين في القدس مشياً على الأقدام.
التحق أحمد الدوجان بكتيبة للمجاهدين في منطقة الشيخ جراح في القدس، وقد شكا المجاهدون من مركز إطلاق نار عند العدو أنه يصيد كل من يمر بالطريق في منطقة الشيخ جراح، قام رحمه الله برصد مصدر النار، وعرف أن هناك برجاً فيه فتحة تخرج منها النار، فأخذ موقعه بالجهة المقابلة وعند إطلاق أول طلقة من المكان المذكور ضربه طلقة واحدة فأسكتت المصدر نهائياً، وتبين فيما بعد أن فتاة يهودية هي التي تطلق النار من الاستحكام المذكور، وبطلقة واحدة قتلها في الوقت المناسب، ليخمد مصدر النار رحمه الله، واستمر يحارب في منطقة القدس لمدة ثلاثة أشهر حتى انتهت الحرب، وعاد إلى أهله بعد وقف القتال في القدس.
هذه قصة سقتها كمثال حي على طبيعة الأشياء في الأردن والبلاد العربية المحيطة، فكان الإنسان يقوم بواجبه، إما في الكتائب الجهادية التي يقوم عليها المخلصون من أبناء الأمة ويذهب للجهاد أو يتصرف بطريقته الخاصة كما عمل المرحوم أحمد الدوجان الحياري وأمثاله، فكان القرار فردياً وحراً، ولا يوجد حدود ولا سدود تعوق الإنسان الذي يريد القيام بواجبه نحو أمته ومقدساته.

* طفولتك مع تلك الأحداث، بدأت معها دراستك في مدرسة السلط الثانوية، فكيف شكل هذا المزيج بين العاطفة والدراسة وتأثير كل ذلك، توجهك السياسي المبكر في الانخراط مع جماعة الإخوان المسلمين؟
- أنشئت مدرسة السلط الثانوية في بدايات عشرينيات القرن العشرين، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في شرقي الأردن لما يقارب ربع قرن. كان الطلاب من كل أنحاء الأردن بما فيها عمان العاصمة يكملون دراستهم الثانوية فيها.
قدَّر الله لي الدراسة في هذه المدرسة من الصف الأول الابتدائي إلى نهاية المرحلة الثانوية المترك، التوجيهي اليوم، وبدأت الدراسة فيها في العام الدراسي 1923-1924 وقد تم تشييدها من قبل أهالي السلط، حيث لا حكومة مستقرة، وبصورة فريدة من حيث التخطيط والتنفيذ، إذ كانت التبرعات تقدم من كل أبناء السلط، ومن كل الطبقات، ومن لم يستطع التبرع بالمال كان يقدم نفسه للعمل باليد وتقديم الخدمات التي تتطلبها عمليات البناء، وكان التخطيط من اختيار الموقع وإعداد مخططات البناء من أناس قادرين ومؤهلين، ويذكر منهم المرحوم أديب وهبة رحمه الله، كان الحجر والبلاط مميزاً فالحجر الأصفر من السلط، والبلاط الملون من يافا، والهندسة وتوزيع الخدمات من مستوى متقدم ما يزال صالحاً حتى اليوم وبصورة جيدة، وكان المعلمون فيها من كل بلاد الشام: سورية ولبنان وفلسطين بالإضافة إلى الأردن، كما جاء معلمون من العراق ومصر وحتى من الهند لتعليم اللغة الإنجليزية.
كانت الدراسة من الصف الأول الابتدائي حتى نهاية الصف السابع تسمى المرحلة الابتدائية، وكان يجري فيها امتحان عام (مترك/ ابتدائي)، ولا يقبل في المرحلة الثانوية إلا من ينجح في هذا الامتحان. كان للمدرسة ساحتان: واحدة للمرحلة الابتدائية وهي الساحة الجنوبية، وأخرى للمرحلة الثانوية وهي الساحة الشمالية، كما كان هناك مدير للمرحلة الابتدائية وآخر للمرحلة الثانوية وهو المدير العام للمدرسة.
كنا ونحن في المرحلة الابتدائية ننظر إلى طلاب المرحلة الثانوية كأنهم أساتذة لنا، خصوصا أنهم كانوا من كل أنحاء الأردن، ولباسهم مهندم. وتُلْقى في الصباح الكلمات الصباحية واحدة في الساحة الشمالية للمرحلة الثانوية، وأخرى للمرحلة الابتدائية في الساحة الجنوبية، وكان عدد الطلاب يقارب الألف وأحياناً ألفاً ومئتين، وكنا نذهب إلى الملعب الكبير لإجراء التمرينات والألعاب الرياضية، ومنها الألعاب السويدية لمدة ربع ساعة ثم نخرج بصفوف على الساحتين المذكورتين كل حسب مرحلته، وتُلقى الكلمات وندخل إلى الصفوف بانتظام وبإشراف المعلمين والمدير المختص.
كان اليوم المدرسي يشمل الفترتين؛ الصباحية والمسائية، ففي الصباح تبدأ الحصة الأولى الساعة الثامنة، ونهاية الرابعة الثانية عشرة والنصف، مع مدَّة ربع ساعة بعد الحصة الثانية، وبعد الحصة الرابعة، نذهب للغداء ونعود في الواحدة والنصف ونأخذ حصتين أو ثلاث حصص، وننتهي في الرابعة والنصف. كما كان هناك نشاطات ثقافية ورياضية تستمر حتى السابعة والنصف أحياناً، فكنا نقضي في المدرسة ما يقارب الاثنتي عشرة ساعة في كثير من الأحيان. إضافة إلى ذلك، كان هناك نشاط الكشافة الذي يضاف إلى نشاطات المدرسة الأخرى، وكانوا يذهبون في رحلات كشفية مدرسية إلى العراق وسورية ولبنان وغيرها، ويساهمون في العروض المختلفة في كثير من المناسبات الوطنية.
أردت بهذا الوصف الموجز لصورة الدراسة في مدرسة السلط الثانوية التي لم تكن تستوعب كل من هو في سن التعليم في ذلك الوقت، أن أبين أن الدراسة كانت ذات قيمة ومعنى ومستوىً حياتياً، وكانت الدراسة فيها مقدَّرة ومحترمة؛ معلماً وطالباً وبيئة مدرسية، فالمدرسة مركز شعاع حقيقي ومديرها كان من المستويات المقدرة في المدينة وعلى مستوى الأردن كله، وكذلك المعلمون لهم مكانتهم في مدينة السلط، ويقومون بنشاطات ثقافية وعلمية مرافقة فوق التدريس الصعب، وكانت مشاركتهم في الحياة العامة الاجتماعية والسياسية ملحوظة، بقيادة المظاهرات والاجتماعات والمساهمات حتى في الأعمال الزراعية، إذ كانت هناك عطلة الربيع لمدة أسبوعين، يقوم الطلاب فيها بمساعدة أهلهم في الزراعة والمساهمة في أداء واجبات بيتية يخطط لها قبل ذلك.
إن واقع المدرسة كان إعداداً حياتياً متقدماً بالنسبة لواقع الأردن، فالكل يقدر المسؤولية، وللمدرسة دور متميز ومنتج، ومن يتخرج من الثانوية العامة كان يجد العمل الذي أعد له في أي موقع من مواقع العمل الوظيفي، المدني أو القوات المسلحة؛ لأن الحاجة كانت قائمة لبناء مؤسسات الدولة وفي جميع القطاعات ومن الأساسيات الأولى.
كان القسم الابتدائي في المدرسة حتى نهاية السابع الابتدائي، كما ذكرت سابقاً، وينتهي بامتحان عام (مترك) في نهاية المرحلة الابتدائية، وكان بإمكان الطالب إعادة الامتحان مرة أخرى إذا لم ينجح في الصف السابع في تلك السنة أو أكمل، ومن أجمل الذكريات عندي حتى اليوم تلك التي أشعر أن الله سبحانه وتعالى قد وفقني باتخاذ القرار فيها هي موافقتي مع والدي رحمه الله على تأجيل تقديم امتحان السابع (المترك) للسنة التالية، وملخص القصة هو، أن والدي رحمه الله كان مريضاً بالقلب وكان معظم إخوتي الكبار في أعمالهم خارج البيت إلا عبدالفتاح الذي كان يعمل بالفلاحة ويدير شؤونها، وكنا نسكن في بيت فلاحي كبير وأمامه غرفة. كان البيت بحاجة إلى صيانة وإعادة ترتيب، وخشي والدي أن يسقط سقفه أو بعضه إن لم تجر له هذه الصيانة، وهو يحتاج إلى من يساعده في هذه العملية، ففكر بي أن أكون بجانبه، قال لي: ما رأيك لو أجلت امتحان (المترك) للعام القادم وتساعدني في عمل صيانة، لاحظت أنه يقرأ في وجهي ردة الفعل، وكان متردداً في هذا السؤال، فأجبت وبدون تردد أو تذمر: لا مانع أنا جاهز، وفعلاً وقفت بجانبه في تلك العملية وكان سروره كبيراً ويدعو لي دائماً، وكان يستشيرني في الأمور كلها أكثر من أي فرد من إخوتي.

ما أزال حتى اليوم أشعر بحلاوة طاعتي له، وأشعر بتوفيق الله سبحانه لي في أموري جميعاً.
وهذه القصة كانت سببا في غضب أستاذي جريس شرايحة مني عندما سأل المدير الأستاذ علي سيدو الكردي الصف من لا يرغب منكم بتقديم امتحان المترك، فرفعت يدي، فجاءني الأستاذ جريس وقال: أنزل يدك، أنت من الناجحين المضمونين، وأخرج من جيبه مبلغ دينارين ونصف (رسم التسجيل) وقال: خذ هذا إذا لم يكن معك الرسم، فأخرجت من جيبي الرسم وقلت له شكراً يا أستاذي هذا الرسم في جيبي، وإنما عندي ظرف خاص، فقال: سأضع عليك إكمال إنشاء إنجليزي حتى لا تنفصل من المدرسة تبعا للنظام في ذلك الوقت.
في العام التالي قدمت الامتحان ونجحت وانتقلت إلى المرحلة الثانوية وأنهيت الصف الثانوي الأخير العام 1954 ودراستي في الثانوية كانت أمتع أيام حياتي الدراسية واعتبرتها أثمن مرحلة في حياتي للإعداد الحياتي وبناء الشخصية.
واجهنا في المرحلة الثانوية ظروفاً وأحداثاً سياسية واجتماعية، ألهبت الواقع الاجتماعي والسياسي في الأردن، ومن هذه الأحداث نكبة العام 1948، وتبعتها وحدة الضفتين ثم الانتخابات النيابية العام 1949، وما بعدها من انتخابات، ووضع الدستور الأردني العام 1952، وما تضمنه من رسم هوية الأردن من أنه جزء من الأمة العربية، والإسلام دين الدولة وحقوق المواطنين وواجباتهم وحرية تشكيل الأحزاب وفق قانون العام 1955 والاجتماعات العامة العام 1953، وقدوم معلمين أردنيين من الجامعات العربية المحيطة، وهم يحملون أفكاراً ومبادئ حزبية واضحة وصريحة مع أجواء مبادئ الحريات الدستورية وغيرها.
كل ذلك شكل أوساطاً سياسية واجتماعية وتطلعات فكرية واضحة ومحدودة. كما أن المناطق العربية المحيطة كانت تموج بالانقلابات العسكرية والتحركات السياسية الفكرية والعقائدية كما هي أجواء المنطقة بكاملها، التي هزها الاحتلال الصهيوني لفلسطين العام 48.

عربيات في "الحلقة الثانية" غدا

• مجلس النواب في الخمسينيات كان يتابع ويمارس صلاحياته في الرقابة
• الطلاب ثم المعلمون ثم العمال كانوا أكثر المنتسبين إلى دار الإخوان في الخمسينيات
• نفذنا إضرابا ومظاهرة ومسيرة نحو عمان احتجاجا على اعتداء اليهود على منطقة أم الرشراش وضد حكومة الراحل سمير الرفاعي التي لم تردّ على المعتدين
• خلال مسيرة احتجاجية لعمان لحقت بنا سيارات عسكرية ووزعوا على الطلاب ما معهم من خبز وماء

التعليق