عيسى الشعيبي

هل نجح مؤتمر "فتح"؟

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:05 صباحاً

لإجمال السجالات التي رافقت انعقاد المؤتمر السابع لحركة فتح، وتصويب الاستنتاجات المقدر لها أن تُتداول بعض الوقت في أعقاب انتهاء هذا المؤتمر، فإنه يجدر بالمتابعين والمهتمين، على اختلاف أفضلياتهم ومقارباتهم، الاحتكام إلى معايير موضوعية، للإجابة عن السؤال أعلاه؛ هل كان مؤتمر "فتح" ناجحاً، بدرجة تسمح بالقول إن الحركة الفلسطينية الأكبر والأقدم، اجتازت أزمتها التنظيمية، واستردت جدارتها لمواصلة قيادة المشروع الوطني الاستقلالي؟
أحسب أن هناك معيارين أساسيين يمكن الاستناد إليهما معاً، للإجابة عن السؤال المعلّق في فضاء الحالة الفلسطينية المسكونة بأسئلة لا حصر لها، نابعة في مجملها من صعوبات مرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات. المعيار الأول، يخص الهدف المركزي الكامن أصلاً وراء عقد هذا المؤتمر المؤجل منذ عامين. والثاني، يتصل بما إذا كان المؤتمر وازناً من حيث التمثيل، وكانت مجرياته محكومة بالنظام الداخلي، ومخرجاته تتسم بالعدالة النسبية والوجاهة والشفافية.
فيما يتعلق بالمعيار الأول، وهو تحقيق الاستمرارية وتجديد شرعية القيادة، فقد نجح المؤتمر الذي تم التحضير له جيداً، بدرجة تشارف ما كان مطلوباً من وراء عقده في رام الله، حيث ملعب "فتح" الأوسع، وحيث حاضنتها الدافئة سياسياً، وحصنها الآمن نسبياً، الأمر الذي مكّن من ضبط إيقاعاته بصورة محكمة، وتحصينه بصورة تامة ضد كل مظهر انشقاقي قد يؤدي إلى تخريب المؤتمر، ويفضي لانتكاسة تنظيمية، بدل أن يكون (المؤتمر) رافعة قوية من روافع "فتح" القوية.
أما فيما يتعلق بالمعيار الثاني، المتعلق بالانعقاد والحضور والتمثيل، ناهيك عن المخرجات التنظيمية، فقد كان لافتاً ذلك العدد الكبير من الضيوف العرب والأجانب، على نحو لا سابق له في مؤتمرات "فتح" الماضية؛ وكذلك مشاركات الأقاليم والساحات من الداخل والخارج بصورة تامة وراجحة، ومتجاوزة للتوقعات المسبقة. الأمر الذي زاد من رجحان المؤتمر، وأضفى عليه جدية سياسية وتنظيمية داحضة لأي من المآخذ والتحفظات المثارة من جانب خصوم كانوا يعولون كثيراً على انعقاد مؤتمر باهت، يتسم بالمحدودية والهشاشة والسطحية.
ولعل مخرجات هذا المؤتمر، ونعني بها انتخاب الهيئتين القياديتين؛ اللجنة المركزية والمجلس الثوري، هي أبرز المعايير التي تقاس بها أعمال المؤتمر، إن لم نقل إنها بيت القصيد من وراء المجازفة بعقده في ظل تحديات داخلية وخارجية قاسية، كانت تعرقل التئامه منذ نحو عامين، وتهوّل على كل مسعىً لا يحفظ للأبناء العاقين الحق في الميراث، واقتسام التركة في حياة أب متمتع بكامل الأهلية العقلية، ولديه كامل الشرعية القانونية والأدبية.
وليس أدل على أهمية هذا المعطى، المتمثل في تجديد دماء القيادة وتحقيق الاستمرارية، أن النقاشات التي توزعت على خمس عشرة لجنة داخلية، ودارت حول مواضيع تنظيمية وسياسية، لم تحظ بأي اهتمام خارج قاعة المؤتمر، كون القضايا الكبرى والتحولات المفصلية لا تتقرر في المؤتمرات الحزبية، وإنما تتبلور في النقاشات العامة والحوارات الداخلية، التي تسبق انعقاد المؤتمرات المقدر لها المصادقة فقط على المخاض النهائي للتفاعلات السياسية.
يبقى هناك سؤال برسم المستقبل المنظور، هو: هل يستطيع المقاطعون والمستبعدون وخائبو الأمل، جراء نجاح هذا المؤتمر، عقد مؤتمر موازٍ يشوّش على النجاح ويطعن بشرعية الانتخابات؟ في الإجابة، يحضر تساؤلان مفتاحيان: أولهما: هل هناك متسع في أي أرض عربية لاستضافة مؤتمر انشقاقي، على غرار ما حاولت دمشق صنعه، وفشلت به، في زمن عبدالحليم خدام ومعلمه الأسد الأب؟ والثاني، هل لدى نظام عربي من الدوافع ما يكفي لتجاوز التقاليد المرعية، واستعداء "فتح" هكذا من دون مكاسب تبرر الإقدام على مثل هذه المغامرة؟
في ظل انعدام الخيارات المكانية أمام المتوعدين بعقد مؤتمر بديل، فإنه يمكن القول إنه إذا لم تلعب "حماس" مثل هذه اللعبة، وهو أمر مشكوك فيه إلى أبعد الحدود بعد رسالة خالد مشعل إلى مؤتمر "فتح"؛ تلك الرسالة التي خاطب فيها أبا مازن بصفاته الرئاسية الأربع (رئيس "فتح" والسلطة ومنظمة التحرير والدولة)، فليس هناك طرف له مصلحة في حمل أوزار تبهيت حركة خرجت لتوها من مؤتمر رد لها عافيتها، وعزز من مكانتها. علماً أن حركة حماس منعت أي مظهر احتجاجي في غزة من شأنه أن ينغص على المؤتمرين في رام الله.

التعليق