التكنولوجيا السعودية في تحلية المياه توفر حلا لمشكلة عربية

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • أدريان بريدجوتر - متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا

أدريان بريدجوتر

متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا

على مدار أكثر من خمسين عاماً، أسست شركات مثل "مايكروسوفت" و"أوراكل" و"سيمنز" مكاتب رئيسة لها في السعودية.غير أن هذه المكاتب أقيمت في الأصل لتكون قنوات للمبيعات والدعم لا غير، لذا لم تقدم أي قيمة تُذكر سوى مجرد تدريب الأشخاص على استخدام هذه التقنيات.
لكنّ المشهد بدأ يشهد تحوّلاً؛ إذ لم تعد شركات التكنولوجيا العملاقة متعددة الجنسيات تعتبر المملكة مجرد نافذة واسعة للبيع جديرة بالاستثمار، بل باتت تبتكر تقنياتها في المنطقة، من أجل المنطقة، وبأيدي أبناء المنطقة من المختصين في التكنولوجيا. وأصبحت هذه التقنيات تركز على بعض المشاكل الأكثر إلحاحاً في المنطقة؛ من بينها على سبيل المثال، استخدام تكنولوجيا الـ"نانو" لإحداث نقلة نوعية في عملية تحلية المياه التي تستهلك مقداراً هائلاً من الطاقة.
بصيص أمل
أكّد تقرير الأمم المتحدة بشأن تنمية الموارد المائية في العالم، أنّ نقص المياه الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط في العام 2016 بلغ مستويات غير مسبوقة منذ عقود. ومع أنّ أكثر المناطق تضرراً من هذه الظاهرة تركّزت في الدول العربية في شمال أفريقيا وبلاد الشام، إلا أنّ اليمن عانى الأمرّين أيضاً نظراً لضعف البنية التحتية نسبياً فيه.
وإدراكاً من جانبها لقيمة المياه وأهمية توافرها، ها هي الأبحاث الجديدة الصادرة من المملكة العربية السعودية تطل علينا ببصيص أمل جديد. إذ تتعاون شركة التكنولوجيا العملاقة "آي. بي. إم" (IBM) مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية (KACST) –وهي مؤسسة البحوث والتنمية الوطنية في المملكة العربية السعودية– من أجل تطوير ما يُعرف بـ"الأغشية النانوية" لتحلية المياه.
وقد تعاون فريق البحوث السعودي مع كلية الكيمياء في جامعة كاليفورنيا ببيركلي في برنامج للبحوث والتطوير بهدف تعزيز هذه التكنولوجيا الصناعية الناشئة.
المقياس النانوي
ما هي "الأغشية النانوية"؟ وما الذي تفعله؟ لفهم ذلك، ينبغي أولا استيعاب مدى صغر المقياس النانوي.
المقياس النانوي، في تعريفه المبسط، هو مقياس ضئيل جداً للطول؛ إذ يساوي الـ"نانومتر" واحداً على مليار من المتر، ما يعني أنّ سماكة شعرة الإنسان تبلغ حوالي 75,000 نانومتر. ويشرح الخبير التكنولوجي جيم هاندي الأمر قائلًا: "العلاقة بين النانومتر وشعرة الإنسان شبيهة بالعلاقة بين الميل والبوصة؛ فالميل الواحد يساوي 63,360 بوصة".
وبالنظر إلى الصغر المتناهي للمقياس النانوي، يمكنك الآن أن تتصور دقة "الأغشية النانوية" من حيث قدرتها على ترشيح أصغر الجزيئات حجماً على الإطلاق؛ وهذا ما يركز عليه فريق البحوث السعودي في جهوده البحثية.
تحتوي محيطاتنا وبحارنا على 97 % من المياه الموجودة على كوكب الأرض. إلا أنّ هذه المياه مليئة بجزيئات الملح؛ وهنا يأتي دور "الأغشية النانوية" في عملية تحلية المياه.
ووفقاً لسيلفيا رومان التي تكتب في الموقع الإلكتروني العلمي "مابينغ إغنورنس" (MappingIgnorance)، فإن "تكنولوجيا تحلية المياه الأكثر فاعلية وتوفيراً حالياً هي تقنية التناضح العكسي (RO). إلا أنّ عملية تمرير المياه عبر الأغشية باستخدام التناضح العكسي بطيئة جداً. ومن شأن استخدام الأغشية ذات المسامات النانوية كمصافٍ أن يسرّع كثيراً من تدفق المياه عبر هذه القنوات نانوية الحجم".
رؤية أكبر
تحتاج عملية تحلية المياه إلى كمٍ هائلٍ من الطاقة. لذا قامت السعودية بإنشاء محطة لتحلية المياه تعمل بالطاقة الشمسية في مدينة الخفجي بالقرب من الحدود الكويتية، سعياً للتصدّي لهذا التحدي.
ورغم أن عمليات تشييد هذه المحطات تستغرق وقتًا في المملكة العربية السعودية، فإن هذه الجهود تعدّ جزءاً من رؤية أكبر وأشمل، تتمثل في تشغيل كل محطات تحلية المياه في البلاد بالطاقة الشمسية بحلول العام 2020.
1500 شمس
سوف تستخدم المحطات ما يُعرف بتقنية "الألواح الضوئية الجهدية للمركِّزات الفائقة" (UHCPV)، وهي مصدر طاقة تعمل شركة "آي. بي. إم" على تطويره بالتعاون مع مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية نفسها. علمًا أنّ هذه التقنية قادرة على تشغيل نظام بتركيز يفوق 1500 شمس مجتمعة، ما يعني أنه يتمتع بقوة كبيرة.
ويشغل الأمير تركي بن سعود منصب نائب رئيس معاهد البحوث في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية. وقد صرح في هذا الصدد قائلاً: "من خلال تضافر جهودنا مع "آي. بي. إم" وجمع خيرة العقول العلمية من الجانبين، نجحنا في دمج قوى الطرفين، الأمر الذي مكّننا من استحداث مواد مبتكرة صديقة للبيئة تتحلى بخصائص ممتازة وقابلة لإعادة التدوير بالكامل". وأضاف: "نحن نؤمن أنّ هذا العمل ينطوي على تأثير نوعي على صناعات عدة في المستقبل".
لا سموم بعد اليوم
تُعد المملكة العربية السعودية في الوقت الحالي أكبر الدول إنتاجاً للمياه المحلاة في العالم. ويُذكر أنّ تحلية المياه مجال محفوف بالتحديات، وهي عملية صعبة ومكلفة، وتتطلب وقتاً كبيراً؛ نظراً لمشاكل ضعف دفق المياه ومشاكل التحلل بالكلور، وما يُعرف بـ"الاتساخ الحيوي" (أي تراكم الكائنات الحية المجهرية أو النباتات أو الطحالب أو الحيوانات على الأسطح الرطبة). وتنعقد الآمال على التعاون بين السعودية و"آي. بي. إم" لإنتاج "أغشية نانوية" تقوم بترشيح الملح، كما تتمتع أيضاً بالقدرة على "التصفية الاختيارية" للسموم الضارة الأخرى الموجودة في المياه.
طعم المياه المُحلاة
إذا افترضنا أنّ التعاون الجاري حالياً في المملكة العربية السعودية مع "آي. بي. إم" سيسفر عن المركّبات الكيميائية (البوليمرات) الصناعية الجديدة التي ستُستخدم لإنشاء أنظمة مصافي "الأغشية النانوية"، فهل تساءلت يومًاعن طعم المياه المحلاة؟ وهل شربها آمن تماماً؟
تشير الأفكار السائدة والعلوم التطبيقية إلى أنّه من الآمن فعلاً شرب المياه المحلاة، إلا أنّ عملية التحلية تزيل في الواقع مقداراً كبيراً من "العناصر النزرة"، ومختلف المعادن الأخرى التي تعطي المياه طعمها في العادة. لذا، يتعين على الأشخاص الذين سيشربون المياه المحلاة وحدها على المدى الطويل تناول مكمّلات غذائية غنية بالمعادن. ولعل افتقار المياه المحلاة إلى هذه المعادن هو ما دفع بعض الناس إلى القول إنّ مذاق المياه المحلاة أشبه بالماء المقطَّر الذي يوضع في مكواة الملابس البخارية المنزلية. عملياً، تستطيع هيئات المرافق المائية التي تضخ المياه المحلاة في شبكات المياه أن تجعل مذاق المياه طبيعياً، عن طريق مزج كميات من المياه المحلاة مع المياه العذبة حيث أمكن.
في النهاية، تتكون أجسامنا في المتوسط من 60 إلى 70 في المئة من المياه. لذا، على جميع البشر الاجتهاد للحفاظ على المياه من حيثما أتت؛ وسواء كانت محلاة أو عذبة. وتدرك المملكة العربية السعودية دورها في هذا المجال؛ إذ إنها من أكثر البلدان حرارةً على وجه الأرض، وتنعم اليوم بقطاع بحوث تكنولوجية مزدهر. وبالتالي، ما من دولة أخرى أكثر تأهيلاً لدفع عجلة التقدم من أجل تحسين عملية تحلية المياه الآمنة ومتيسرة التكلفة.

التعليق