عربيات: الوعي السياسي الأردني بالخمسينيات كان متوقدا

تم نشره في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2016. 06:00 مـساءً - آخر تعديل في الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2016. 06:00 مـساءً
  • رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات - (تصوير: محمد أبو غوش)
  • عربيات يتوسط زميلين له أثناء دراسته الجامعية في بغداد
  • ..ويكتب خلال مطالعته لكتاب أثناء دراسته الجامعية في بغداد-(أرشيفية)

محمد خير الرواشدة

عمان - يأخذنا السياسي المخضرم رئيس مجلس النواب الأسبق، والقيادي في حركة جماعة الإخوان المسلمين د.عبد اللطيف عربيات بالحلقة الثانية من "سياسي يتذكر"، إلى بدايات انتظامه بالجماعة خلال فترة الخمسينيات التي كانت تمور بالعمل السياسي، مدفوعة بأجواء نكبة فلسطين العام 1948. ودور مركز "الإخوان" في السلط بنشر الوعي والتثقيف في المدينة.
ويتطرق عربيات في هذه الحلقة للمنافسة التي احتدمت بين "الإخوان" وحزب التحرير، والمناظرات التي أقيمت من أجل إثبات كل طرف لوجهة نظره، وكيفية انسحاب الشيخ تقي الدين النبهاني من "الاخوان" لتأسيس حزب التحرير الذي عاب على "الإخوان" طريقتهم في العمل، ووصفها بأنها "فاشلة"، وأن الطرق الانقلابية وليست التربوية هي التي توصل إلى الهدف في تحقيق وتطبيق شرع الله في المجتمع.
 كما يلقي عربيات، الضوء، على نوعية المدرسة في ذلك الوقت، مبينا أن الطلبة كانوا يدا واحدة، يقررون ما يشعرون بصحته، ويمارسون تلك القناعات على أرض الواقع عملا سياسيا وطنيا دفاعا عن الثوابت.
ويروى عربيات العديد من الأحداث التي شهدتها تلك الفترة، والتي توضح أهمية المعلم والطالب، مسهبا بشرح تفاصيل مسيرة طلابية دعا إليها معلمون، وكيف أقبل الطلبة على التعامل مع القضايا والهموم العربية، وتحديدا القضية الفلسطينية.
ويتوقف عربيات مطولا عند محطة مهمة من ذكرياته، متعلقة بدور مجلس النواب في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث أكد أن المجلس أخذ مسؤولياته الرقابية على محمل الجد، وتمسك بكامل صلاحياته الدستورية.
ويشير عربيات إلى أن مجلس النواب تمسك بكامل صلاحياته الدستورية، بعد أن طالبت لجان نيابية بإعادة فتح التحقيق بالمسيرة الطلابية الحاشدة التي انطلقت تنديدا بالاعتداء الإسرائيلي على قرية أم الرشراش، في حين أن معلمين شيوعيين كانوا يريدونها احتجاجا ضد قرارات حكومة سمير الرفاعي الأولى.
ويرصد عربيات الفارق بين ما كانت عليه المدارس في ذلك الوقت وما وصلت إليه في أيامنا هذه.

وفيما يلي نص الحلقة:

*نحتاج إلى التعرف أكثر إلى البيئة السياسية في السلط خلال مرحلة دراستك الأولى، وكيف كان العمل السياسي؟ هل كان ضمن مؤسسات وتنظيمات، أم كان الأمر يخضع لاجتهادات شخصية، وتأثركم بأشخاص لا أفكار؟
- كان في السلط في نهاية الأربعينيات وأوائل الخمسينيات مركزان فكريان، هما جماعة الإخوان المسلمين، ونادي جلعاد الذي أصبح اسمه فيما بعد نادي الاتحاد. الأول كان للاتجاه الإسلامي، والثاني للاتجاه القومي واليساري، وكنا نحضر الكثير من المحاضرات والندوات في كلا المركزين.
كنت في الصف السابع الابتدائي عندما استمعت في دار الإخوان المسلمين لمحاضرة للشيخ تقي الدين النبهاني وكان معه المحامي داود حمدان. شرح لنا يومها ما هي دعوة الإخوان المسلمين، وسألنا إن كنا قرأنا رسائل الأستاذ حسن البنا، وشرح لنا بعضها، وأشاد بوضوح هذه الدعوة.
من يومها، بدأنا نتردد على دار "الإخوان"، ونحضر المحاضرات، كما كنا نمارس بعض النشاطات الرياضية التي كانت متوفرة مثل كرة الطاولة.
أذكر أن بعض المسؤولين في دار "الإخوان" وضعوا إعلاناً عندهم يمنع دخول طلاب الابتدائي للدار، ويومها كنت في السابع الابتدائي، فتجمعنا نحن طلاب السابع ودخلنا الدار محتجين على هذا القرار، وقابلنا بعض المسؤولين وشرحنا لهم الأمر، فألغوا القرار وعدنا إلى الدار بقرار جديد.
كنا نحضر محاضرات لإخوة مصريين، مثل المرحوم سعيد رمضان، والمرحوم عبدالحكيم عابدين، وأحمد العسال، ويوسف القرضاوي، وكنا معجبين بهم كثيرا.
وأذكر أن المرحوم سعيد رمضان التقى طلاب المدرسة في دار "الإخوان"، ومن السُّنة كان التعارف، فيقف كل واحد ويذكر اسمه وصفته أو وظيفته، فكنت واحداً من الذين عرف بنفسه أمامه، وبعد عام عاد إلينا، وجلسنا في المكان نفسه، ونحن داخلون إلى المكان، قابلته، وقبل أن أقول كلمة واحدة، قال لي: "إزيك يا عبداللطيف"! وكان رحمه الله من أهل الذكاء الحاد والذاكرة والقدرة الخطابية المتميزة.
كانت دار "الإخوان" جاذبة لكل الناس؛ مسلمين وغير مسلمين، طلاباً وغير طلاب، وأذكر أن مدير المدرسة الثانوية أصدر أمراً يمنع الطلاب الذهاب إلى النوادي والجمعيات بما فيها دار "الإخوان"، فاحتج الطلاب في ساحة المدرسة، وأذكر من الخطباء المحتجين الطالب حبيب الزعمط، وهو مسيحي، وكان يقول: إذا منعونا من دخول دار "الإخوان" فأين نذهب؟ كما أذكر الأستاذ الشاعر سليمان المشيني، وهو مسيحي أيضا، كان يتردد على الدار باستمرار، وسمعته مرة يسأل: كم قيمة الانتساب والاشتراك السنوي؟ فقالوا له: خمسة عشر قرشاً، فأخرج المبلغ من جيبه وقال هذا اشتراكي من الآن.
أذكر، أيضا، الأستاذ المشيني وهو يخطب في دار "الإخوان" وفي المسجد المجاور ترحيباً بالأستاذ المرحوم حسن الهضيبي المرشد العام عندما زار الأردن، وزار السلط العام 1954.
كان أكثر المترددين على دار "الإخوان" الطلاب والمعلمون، وكان من أقدم رؤساء "شعبة الإخوان" المرحوم الشيخ عبد الحليم زيد الكيلاني، والمرحوم الصيدلاني عبدالحليم بدران، والمرحوم المهندس يحيى الخطيب، ومن أكثر النشطاء المرحومون منصور الحياري وسليمان عربيات وحسين الحياصات، وعبدالكريم الخطيب وعبداللطيف الصبيحي.
ومن المعلمين الذين كانوا يترددون على الدار المرحومون حسن البرقاوي، وشوكت تفاحة، ومحمد الرجا المسعود، وجميل شاكر الخانجي، وأمين زيد الكيلاني، وغيرهم.
كان ترتيب أعداد المنتسبين إلى دار "الإخوان" في الخمسينيات؛ اولا الطلاب، إذ كان العدد كبيراً، والطلاب هم طلاب المرحلة الثانوية إذ لم يكن يومها في الأردن أي جامعة، وعدد قليل من معاهد المعلمين أو كليات المجتمع كما تسمى اليوم، وكان هناك اتحادات للطلاب غير معترف بها رسمياً، وأغلبها في يد الإسلاميين، والفئة الثانية كانت من المعلمين، إذ انتشرت دعوة "الإخوان" بينهم في الضفتين، وكان رئيس اتحاد المعلمين المنتخب في الضفتين العام 1954 هو الأستاذ عبد خلف داودية، وكان يومها معلماً في كلية الحسين بعمان.
وأذكر آنذاك، أن وزير التربية أنور نسيبة، ألقى كلمة بالمعلمين في كلية الحسين باحتفال عام، ووقف داودية المعلم في مدرسة كلية الحسين ليناقشه بجرأة كبيرة. فقال له الوزير: "أهكذا يخاطب الوزير من قبل معلم"؟! فرد عليه داودية قائلا: "أنا معلم وأمثل المعلمين في الضفتين، وأنت وزير، ولولا المعلمون والطلاب لما كنت وزيراً".
الفئة الثالثة في حجم المنتسبين لـ"الإخوان" كانت فئة العمال، إذ سيطر "الإخوان" على نقابة العمال العامة في الخمسينيات، حيث كان المرحوم حسن علي رشيد هو نقيب العمال في الأردن، وكان رئيساً لنقابة العمال في منجم الفوسفات في الرصيفة، وهناك قسم للعمال في كل شعبة من شعب "الإخوان".
كانت أقسام المعلمين والطلاب والعمال هي الأقسام الرئيسة في كل شعبة من شعب "الإخوان "من حيث العدد والنشاط، وكان قسم الجوالة من الأقسام المهمة أيضاً؛ إذ كانت المعسكرات الكشفية تعقد في الضفتين، والزيارات المتبادلة والتدريبات الميدانية يحضرها أعداد كبيرة يتم فيها التعارف على مستوى الضفتين، إذ كان التعرف على المبادئ الكشفية وممارستها في مراكز التدريب يتم فيها معرفة المناطق والأشخاص؛ لما لذلك من فوائد في الإعداد القيادي والتدريبي على المعيشة في أجواء المخيمات الكشفية.
فئات الموظفين وأفراد العشائر وشيوخها من الفئات التي كان لها دور مهم أيضاً، فكنت أرى التجار والموظفين من مختلف الوزارات والمحامين والأطباء والمهندسين وغيرهم من أبناء العشائر والتجار، فكانت بحق تمثيلاً حقيقياً لفئات المجتمع ومن مختلف الأعمار.
هذا هو الجو والمناخ الذي كنا نجده في دار "الإخوان"، ويعرف كل منا الآخر بالأسرة والكنية والرحلة والزيارة، إذ كنا نقوم كأفراد في شعبة السلط بزيارات لإخواننا في شعبة إربد مثلاً، ونستمع إلى المحاضرات، وكان إخواننا يوزعون إخوانهم الضيوف على بيوتهم ويتم التعارف الأسري كذلك.
قبل عام، تقريباً، ذكر لي الأخ الدكتور أحمد البشايرة أن حصته من الضيوف إلى إربد المرحوم أخي عبد الحليم، وأخذه إلى بيته في قريته، وما يزال يذكر تلك الزيارة حتى اليوم.

* ألم تختلط عليكم الاتجاهات بعد أن انخرطتم في الجماعة، خصوصا أن تلك الفترة شهدت مماحكات واضحة بين "الاخوان" وحزب التحرير، في ذلك الوقت هل كنت مع الإخوان تنظيميا، أم كنت مراقبا لذلك المشهد خلال سنوات دراستك الابتدائية؟
- ذكرت أن أول من عرفني بدعوة "الإخوان" هو المرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني وكان معه المرحوم المحامي داود حمدان، الذي أعطانا محاضرة في دار "الإخوان" في السلط عن الدعوة الإخوانية، وشرح لنا مزاياها، وبعض رسائل البنا. وبعد أقل من عام من ذلك التاريخ، بدأ الإخوان يتحدثون عن حزب التحرير برئاسة الشيخ تقي الدين. وتبين لنا أن حزب التحرير جذب إليه بعض الإخوان من السلط ومنهم: المرحومان أحمد عربيات، ومحمد الحديدي، وكانا أكبر منا وأقدم في الدعوة، وإذا بالشيخ عبد العزيز الخياط، أحد خطباء "الإخوان" الكبار أيضاً يلتحق بحزب التحرير.
في ذلك الوقت، بدأت حوارات ونقاشات حادة بين أفكار الحزب الجديد التي تعيب على الإخوان طريقتهم بإحداث التغيير المطلوب وتصفها بالفاشلة، مؤكدة أن الطرق الانقلابية وليست التربوية هي التي توصلنا إلى أهدافنا في تحقيق وتطبيق شرع الله في المجتمع.
بدأنا نسمع من عمان من إخواننا المسؤولين أنهم عرضوا على الشيخ النبهاني أن يصبح رئيساً لـ"الإخوان" في الأردن، ولكنه رفض وقال: إن طريقتكم لا توصل إلى الهدف، وأن طلب النصرة والوصول إلى الحكم هو الطريق الصحيح، وإن الطريقة التربوية التدريجية غير مجدية.
انتشر حزب التحرير في الضفة الغربية أكثر من الضفة الشرقية من الأردن، وأصبحت حلقات النقاش بين مؤيدي كل طرف والطرف الآخر تعقد في الطرقات والبيوت وساحات المدارس.
أذكر أن نقاشاً حضرته في مطلع الخمسينيات بين مجموعتين من الإخوان وحزب التحرير دارت فيه كلمات "مفاهيم مغلوطة، الوصول إلى الحكم غير محدد لديكم، وصار لكم ايها الإخوان أكثر من عشرين عاماً ولم تصلوا إلى الحكم". فسألت المتحدث: "تعيبون علينا أننا لم نصل للحكم خلال عشرين عاماً، أما أنتم فكم تقدرون من الزمن حتى تصلوا إلى الحكم؟ فنظر إلى ساعته وقال: ستة أشهر! فقلت له: بارك الله فيك ونحن بالانتظار".
بعد سنوات قليلة، بدأت تخبو فترة الحماسة الشديدة، وانسحب من حزب التحرير بعض الأسماء المشهورة من مثل الشيخ عبدالعزيز الخياط، والشيخ عز الدين الخطيب، والشيخ أسعد التميمي، وأحمد عربيات، وغيرهم كثير.
قيل وقتها عن ذهاب شباب من حزب التحرير لمقابلة المرحوم سيد قطب، وعرضوا عليه أفكارهم وأساليبهم في الدعوة، فقال لهم رحمه الله: ستنتهون من حيث بدأ "الإخوان".
حزب التحرير انتشر خارج الأردن وفي العالم، ولكن بعد ستين عاماً على إنشائه لم يحقق ما عابه على " الإخوان". وهناك قصص رويت عن الأسباب والدوافع لنشوء هذا الحزب، ولا أريد أن أخوض بها، ويبقون إخواناً لنا، نختلف معهم في الأسلوب، ونتفق معهم في الهدف.

* بين أوراقك التي اطلعت عليها، كانت هناك قصة لاعتداء اليهود على المرشرش (أم الرشراش) العام 1951. هل نستطيع ذكرها هنا أيضا، خصوصا أن فيها جانبا شيقا عن حراك الطلاب في تلك الفترة؟
- بعد نكبة فلسطين العام 1948 ووحدة الضفتين العام 1950، كان الوعي السياسي متوقداً وجاهزاً للتجاوب مع أي حدث يقع في الأردن أو في المنطقة. كما كان لدينا معلمون حزبيون من خريجي الجامعات في المنطقة مثل الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، التي تخرج منها أردنيون حزبيون مثل عيسى مدانات، الشيوعي القديم، وإبراهيم الطوال، شيوعي أيضاً، وإبراهيم العايد بعثي، وعلي خريس بعثي، وغيرهم.
شاع بين الطلاب خبر اعتداء اليهود على منطقة المرشرش بجانب العقبة بإطلاق النار على رعاة في المنطقة المحاذية، فقام بعض الطلاب بالدعوة إلى الاجتماع العام للطلاب في منطقة الميدان (أم عطية) في السلط، وقام طلاب بشرح أهداف الاجتماع وهي التظاهر في اليوم التالي ضد الاعتداء وضد الحكومة التي لم تردّ على اليهود المعتدين.
في الصباح بدأنا بالتجمع في ساحة الكراجات والتظاهر في شوارع المدينة، وقمنا بتنفيذ ما اتفقنا عليه وطفنا في الشوارع أكثر من مرة خلال أقل من ساعة، وهتفنا ضد اليهود والحكومة التي لم ترد عليهم. عند جولتنا الأخيرة عندما وصلنا منطقة كراجات خشمان، أي مقابل المركز الثقافي في السلط اليوم، شاهدنا الأستاذين إبراهيم العايد وعيسى مدانات في سيارة من نوع "فيات" صغيرة، وأشارا لنا باليد نحو عمان، فهتف بعض الطلاب: "على عمان، على عمان".
اتجهت المظاهرة نحو البياضة وطريق عمان، حيث قامت الشرطة بإغلاق الطريق على السيارات، التي لم تتمكن من التقدم إلى الأمام، ولذلك، أكملنا نحن الطلاب المظاهرة باتجاه عمان، وتخطينا أفراد الشرطة الواقفين على الطريق، وتابعنا مشياً على الأقدام، وبعضنا بقي يسير على الطريق العام في وادي الشجرة، وآخرون أخذوا الطريق المباشر عن طريق العامرية، وقلنا لبعضنا: اللقاء في منطقة السرو.
التقينا في السرو، عند بوابة جامعة عمان الأهلية اليوم، وقد أنهكنا التعب والجوع، والجميع مُصر على الوصول إلى عمان للتظاهر ضد الحكومة هناك. مرت بنا سيارة (بك أب) قادمة من البقعة إلى السرو ومن ثم إلى عمان، فقفز بها بعض الطلاب ومنهم أخي عبدالحليم، رحمه الله. وعند وصولهم إلى عمان كان بانتظارهم أبو المطيع، حكمت مهيار، قائد شرطة عمان، فأعادهم في أول سيارة ذاهبة إلى السلط.
في تلك الأثناء، لحقت بنا بعض سيارات الجيش فيها خبز وماء، ووزعوا على الطلاب ما عندهم من خبز وماء، وقالوا: "يا شباب يستحيل الوصول إلى عمان، فها هي أصبحت عصراً". عندها، اتفقنا أن نعود إلى السلط وغداً "يفرجها الله". وفعلاً عدنا إلى السلط، إما سيراً على الأقدام أو في السيارات التي عادت إلى السلط من عمان. وهكذا مر ذلك اليوم المتعب ونحن على الطريق بين السلط وعمان.
عدنا إلى المدرسة في اليوم التالي، وبدأت تصلنا أخبار وتحليلات عن أسباب المظاهرة والمسيرة الحقيقية، واختلفت الروايات حول ذلك. وبعد يوم أو يومين دعانا مدير المدرسة، وكان الأستاذ محمد سالم الجنيدي رحمه الله، وقال لنا: "يا شباب إن بعضكم مطلوب إلى دار المتصرفية؛ من أجل التحقيق معكم عن سبب الإضراب، وأوصيكم أن تذكروا مدرستكم بخير ولا تنسوها". هذا كل ما قاله المدير، رحمه الله، وكان إنساناً مهذباً.
* هل كنت من الطلبة المطلوبين للتحقيق؟
- نعم، كنت واحداً من الذين طُلبوا للتحقيق في دار المتصرفية، المحافظة اليوم. ذهبت إلى هناك، فناداني شرطي وأدخلني في غرفة فيها طاولة وكرسي، والمحقق يجلس على الكرسي الآخر خلف الطاولة. سألني: ما اسمك؟ فأخبرته باسمي. فسألني: هل شاركت بالمظاهرة؟ قلت له: نعم، وتابعت: بسبب عدوان اليهود على المرشرش وعدم رد الحكومة على الاعتداء. قال: وأين تقع المرشرش؟ قلت له: في منطقة العقبة.
واستمر المحقق بالأسئلة: من الذي دعاكم؟ فأخبرته عما تم من اجتماعات وقرارات، فقال: هل أنت مقتنع بذلك؟ قلت له: نعم. فسأل: هل تعرف شيئاً عن الوزارة وتشكيلها؟ وتابع: سمِّ لي بعض الوزراء؟ قلت له: فلان وفلان كما أذكر. قال: هل لك اعتراض على الوزارة؟ قلت: فقط لأنها لم تردع اليهود.
ظل المحقق يسألني ويكتب ما أقول، وبعد التحقيق سألني: هل رأيت أحداً من المعلمين؟ فقلت: رأيت فلانا وفلانا في سيارة. قال لي: إذا سمحت وقع في نهاية الصفحة، فوقعت، وقال: شكراً مع السلامة.
في ما بعد، عرفنا أن الذي حقق معي هو المرحوم حسن الكايد، مدعي عام عمان آنذاك.

* كنت كطالب محسوبا على جماعة الإخوان، ودعاك للمسيرة أستاذ محسوب على الحزب الشيوعي هو عيسى مدانات، فهل كان الأمر مقبولا لدى قيادات وأعضاء الجماعة؟
- لقد سرت بعد ذلك إشاعات في المدرسة أن المظاهرة كانت بسبب خلل في تشكيل الحكومة، وكان رئيس الحكومة آنذاك الراحل سمير الرفاعي.
كما علمت من بعض الطلاب أن المحقق حسن الكايد، كان قاسياً مع بعض الطلاب، وأذكر كمثال الطالب سامي العمارين. ومضت مدة وسمعنا أن تحقيقاً وزارياً حصل مع بعض المعلمين، ومنهم الأستاذان المدانات والعايد.
بعد أسابيع، دعينا نحن الذين حقق معهم في المرة الأولى إلى المتصرفية، وكان الكايد جالساً على جنب وهناك محقق آخر وأظنه المتصرف. فقال: هل هذا توقيعك؟ قلت: نعم. قال: هل هذا خطك؟ قلت: لا. قال: أريد أن أقرأ عليك الشهادة التي أعطيتها، فإذا وجدت خطأ أو اختلافاً قل لي هذا خطأ. قرأ الشهادة، فقلت له: نعم، هذه شهادتي ولا زيادة ولا نقصان. فقال: شكراً، وقع مرة أخرى هنا، ففعلت ما طلب، لأفهم فيما بعد أن مجلس النواب طلب التدقيق وإعادة التحقيق، وقد شعرت أن المحقق الأول كان مسروراً من عدم تغيير شهادتي.
هذه القصة توضح أهمية المعلم والطالب، ودور مجلس النواب، وكيف أن كرامة المعلم والطالب كانت على درجة كبيرة من التقدير، وكيف أن مجلس النواب يتابع ويمارس صلاحياته في الرقابة، وكيف أن الشعور الوطني كان عالياً، وكيف أن الحكومة والجيش يشعران الطلاب أنهم مقدَّرون، وكيف يلحقون بهم في خارج المدينة ومعهم الماء والغذاء، وكيف أن طلاب المدرسة كانوا جميعاً يداً واحدة، يجتمعون ويقررون ما يشعرون بصحته، وأن قضاياهم واحدة، وكيف أن وحدة كلمتهم كانت في أعلى درجاتها.
هذا الذي افتقدناه اليوم في مدارسنا وجامعاتنا.

 عربيات في الحلقة الثالثة غدا

• مجلس الوزراء يعقد اجتماعا طارئاً لبحث مشاجرة "أيديولوجية" بمدرسة السلط
• الانقسام في السلط لم يكن على اساس عشائري بل فكري
• الأردنيون جميعا تابعوا الأزمة السياسية بين جمال عبد الناصر و"الإخوان"
 • مخيمات "الإخوان" كانت مدارس فكرية وروحية ورياضية

التعليق