مروان المعشر

كل "تيمس" وأنتم بخير

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:08 صباحاً

بينما نحن منهمكون بالاقتتال فيما بيننا حول تحجب المرأة من عدمه في الكتب المدرسية، وكذلك عدد الآيات القرآنية الموجودة فيها، تخرج علينا نتائج امتحان "تيمس" (TIMMS) العالمي، والذي يجرى كل أربع سنوات، لنكتشف بعضا من حجم التدهور الذي أصاب التعليم في مادتين فقط، هما العلوم والرياضيات.
وحتى نعرف حجم المشكلة، لنتذكر أن التركيز تم على هاتين المادتين باعتبار أنهما ستؤسسان لجيل يستطيع التعامل مع متطلبات التكنولوجيا الحديثة. وللتذكير أيضا، فقد تم صرف أكثر من مليار دولار على برنامج واحد في وزارة التربية والتعليم يهدف إلى إدخال الحواسيب إلى المدارس، وربط الطلبة تكنولوجياً بالعالم. فماذا كانت النتيجة؟ انخفض معدل التحصيل العلمي إلى ما دون مستواه العام 1999. أي إن سبعة عشر عاما من الجهد والمال لم تنجح في إبقاء المعدل عند مستوياته السابقة. وإن لم يكن هذا أحد تعريفات الفضيحة، فلا أدري ماذا يكون!
بالطبع، فإن إصلاح التعليم أكبر بكثير من العلوم والرياضيات. لكن إن كانت هذه هي النتيجة بعد الإنفاق الهائل والتركيز على هاتين المادتين، فلنا أن نتخيل التدهور في المجالات التي لم يتم التركيز عليها، وأهمها الإنسانيات والفنون التي تهذب الروح وتوقد شعلة الإبداع والتفكير النقدي لدى الطلبة. فهذه المواد إما تم حذفها، أو هي تُدرّس بأسلوب تلقيني يطفئ هذه الشعلة لدى الطلبة.
امتحان "تيمس" ليس الامتحان العالمي الوحيد الذي يتم بموجبه قياس قدرات الطلبة. فالمنظمة الدولية التي تقوم بذلك "المنظمة الدولية لتقييم التحصيل العلمي" (IEA)، تجري امتحانا آخر أيضاً لتقييم التحصيل في مفاهيم المواطنة والتربية الوطنية وحقوق الإنسان، وفق معايير عالمية. وللأسف، ليس هناك دولة عربية واحدة تقبل إجراء هذا الامتحان في مدارسها، لأنه سيفضح الفارق بين تغنيها اللفظي بهذه المفاهيم وبين غرسها في وجدان الطلبة بالشكل الصحيح، مقارنة مع دول العالم.
الأرقام والحقائق في بلادي لا تعني دائما الكثير للأسف. على الأغلب، لن تعترف الحكومة ووزارة التربية والتعليم، بحجم المشكلة؛ ولن يتوقف دعاة إبقاء المناهج كما هي عن التهديد والوعيد؛ ولن ينظر أصحاب القرار في المشكلة الحقيقية التي نعاني منها في نظامنا التربوي، وهي التعليم التلقيني وعدم إتاحة الفرصة للطلبة لأن يتعلموا حل المشاكل بعقولهم وليس بالحفظ الأعمى للأجوبة؛ ولن يصرف الجهد لخلق مناخ مدرسي صحي يمارس فيه الطلبة مفاهيم المواطنة والتعددية وتحمل المسؤولية؛ ولن تخصص الأموال لإعادة تأهيل المعلمين تأهيلا جديا، حتى يشعر الطالب أنه شريك في العملية التعليمية وليس متلقيا صامتا.
لن يتم أي من هذا على الأغلب. ففي حين تعتبر هذه الأرقام في بلاد أخرى ناقوس خطر حقيقي، ومدعاة لمراجعة شاملة للأنظمة التربوية، فإننا سنكتفي بأسبوع أو أسبوعين من المقالات والخطب، ثم نعاود ممارسة فقدان الذاكرة الجماعي؛ فنتجاهل هذه الحقائق لأننا منهمكون بما نعتقد أنه أهم من ذلك: الصوت العالي، وحرق الكتب، والخطب الرنانة حول ضرورة التراجع عن التعديلات التي تمت، وهي تعديلات لا ترقى حتى لمستوى إدراك المشكلة.
حرام أن نختزل النقاش حول تعديل نظمنا التربوية بعدد الآيات القرآنية الموجودة في المناهج وحجاب المرأة، بدلا من الاهتمام بتطوير فلسفة تربوية متكاملة تترجم إلى نظم ومناهج ومناخات تخلق الأرضيّة المطلوبة للإبداع والتجديد والمنافسة في أسواق العمل.
أخشى أننا أصبحنا أسرى لثقافة تعظّم الأصوات العالية، وتقزّم العمل العلمي المنهجي الذي يخرّج مواطنين ومواطنات منتجين، لا رعايا متلقين لما نريد حشوه في أدمغتهم، لنتركهم بعد ذلك لرحمة عالَم لا مكان فيه لمن لا يمتلك القدرات الفكرية والمفاهيم الحداثية. ومن منا اليوم يذكر لجنة تطوير الموارد البشرية أو ماذا حل بتوصياتها؟
وكل "تيمس" وأنتم بخير.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صادق العظم (محمد عبداللطيف)

    الجمعة 9 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    رحم الله د.صادق جلال العظم فقد تناول أسباب البلاء من عاملين ؛
    سييطرة الفكر الغيبي بفعل فاعل
    منحى الشخصية الفهلوية في الحياة بسبب ضغط الحاجة
  • »نحن بحاجة لمثقفين مثلك (مي صادق)

    الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    تسلم دكتور على سعة أفقك وإدراكك، ولن نتطور ما زال هناك أجندات لتجهل مجتمعنا من جهات مختلفة، ونرى ذلك الآن في نوعية طلبتنا في الجامعات قياسا لما كانت عليه قبل حوالي ربع قرن.
  • »الاخلاق قبل العلم (دزجهاد الدحيات)

    الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    التربيه قبل التعليم والحضارات تقوم على الاخلاق والمبادئ والمعتقدات الدينيه وبعدها ياتي العلم ولك في الحضاره الاسلاميه اكبر مثال
  • »الخلل في توزيع الاوراق من قبل وزارة التربية وليس من قبل منظمة تيمس (فواز)

    الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    في الاعوام السابقة .. كانت تسرب اوراق امتحان المستوى للطلاب حيث كانت توزع من قبل موظفي الوزارة ..وانا كنت شاهدا على ذلك واستغربت ان يتم توزيع الاوراق من خلال وزارة التربية وليس من قبل تيمس
  • »"كل حداثة وانت بخير" (يوسف صافي)

    الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    يبقى السؤال المشروع ؟؟؟ماذا على الطبيب المعالج قبل اعطاء المطعوم للمريض؟؟ ومن خلال سردك حول سلبيات المجتمعات في الكثير من المجالات ولوجا لتحضيرها لمطعوم الحداثة والديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والخ من مصطلحات تغنّى بها دعاة الحداثة تم صياغتها وفق منظومة المعرفة المجتمعية لتلك الدول وكما اقّر علماء النفس والإجتماع والطب من المفروض ان الجديد يوائم المجتمع المتلقي من حيث مكنوناته (قيم ثقافة وعقيدة ) والعضو الجديد عند استبدال القديم مطابقته مع نسيج الجسم طبيا ؟؟ناهيك عن القاعدة المتعارف عليها "اذا سبقت الحضارة الثقافة واو العكس المحصلّة الإنحطاط "(انظر مايجري من صراعات دامية وفكرية مابين الكثير من المجتمعات العربية ) وحتى لانطيل لانجد أحد ضد التطّوروالتطوير وهذه سنّة الحياة ؟؟؟لكن الواجبة لابد من موائمة وتزامن الجديد ومانحن عليه ودون ذلك الى الأسوأ ؟؟وخير دليل تناقص النسبة عمّا كانت عليه في العام 1999 حيث ذكرت والتي تتجلى كمحصلة ماتم اغراق العملية التعلمية من أساليب الحداثة (ما يجب ان يكون في هولندا يجب ان يكون في السلط) دون موائمة اقلّه قاعدة القياس وفق معايير مشتركة لكل المشاركين وليس من خلال منظومة معايير لتلك المجتمعات ؟؟ولايعقل على سبيل المثال لطالب يتلقى التكنولجيا من مصنعها يقاس معايير معرفته مع طالب تصدّر له التكنولجيا وفق احتكار المصنع وتصديره المتزامن وفق الدول (مايسمح بتصديره للدول العربية والنامية يجد الطالب العربي كما غيره يستعمل الأجهزة والبرامج القديمة وا ن كان الكثير من المبدعين العرب هم من مصممي البرامج في الغرب) "ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم"
  • »مجانية تعليم ثانوي وجامعي أبقت طلبة قاعدين فاضاعت أهم سنوات عمرهم وحالت بينهم وبين تعلم مهنة (تيسير خرما)

    الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    مجانية تعليم ثانوي وجامعي أبقت طلبة قاعدين فاضاعت أهم سنوات عمرهم وحالت بينهم وبين تعلم مهنة لا تحتاج تعليم ثانوي أو جامعي فاعتمد سوق العمل على عمالة وافدة بكل المهن قنصت فرص عمل أردنيين وفرص تدريبهم وسيطرت عليها وعلى مقاولات من الباطن وتصاعدت أجور الوافدين واستولوا على اقتصاد الأردن إذن يجب إلغاء مجانية تعليم ثانوي وجامعي وبيع الجامعات الحكومية لقطاع خاص واستخدام العائد لإنشاء مراكز لتأهيل وتدريب مائة ألف أردني سنوياً مجاناً ابتداء من سن 16 سنة بتخصصات لكل مهن أسواق العمل بالأردن ودول الخليج.
  • »متابع (مواطن)

    الثلاثاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    طيب ، اذا كان مش مهم ولا يعني شيئا تحجب المرأة في الكتاب من عدمه ،لماذا تم تغيير الصورة لامرأة غير محجبة ؟