جهاد المنسي

يارا وأنا

تم نشره في الأربعاء 7 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:04 صباحاً

أثلجت صدري يارا (ابنتي) عندما حدثتني عن محاضرات تقوم بها مدرستها حول قضايا تتعلق بالمجتمع والأسرة والصحة والدفاع المدني وغيرها من مواضيع مهمة يتوجب أن يعرفها الطالب كنشاط غير منهجي، فهذا تطور إيجابي محمود يحسب لوزارة التربية والتعليم، وللمدرسة حاضنة تلك الفعاليات.
وكعادة يارا فهي تناقشني بكل ما قيل في محاضراتها تلك، وتارة أدخل وإياها بنقاش وجدل حول تلك القضايا، والأهم في ذلك النقاش يكون إما إقناعها بوجهة نظري، أو أن تقوم هي باقناعي برأيها.
قبل أيام جاءت يارا محملة بأسئلة، وعلامات استفهام، فقد استمعت أخيرا لمحاضرة حول الوسطية وعدم التطرف، فجلست ووضعت بين يدي أسئلة غير متناهية حول قضايا أثيرت في المحاضرة، بعضها كانت تضع تحته علامات سؤال، وتريد الاستيضاح حوله، وبعض ما قيل كانت تؤيده ومقتنعة به، فيارا مقتنعة بأن الإسلام دين وسطي، يرفض القتل، وتعتبر من يقوم بذلك هم خوارج لا علاقة لهم بدين ولا بإنسانية، وهي أيضا تعرف أن الوسطية لا تعني نفي الآخر أو قذفه وشتمه وتحقيره والنيل منه، فهي تؤيد ما ذهب اليه جبران ذات يوم عندما قال: "ربما عدم الاتفاق أقصر مسافة بين فكرين"، ولذلك لمست عدم موافقتها لما استمعت إليه في ثنايا محاضرتها حول شتم للناس وإسباغ أوصاف عليهم، فهي تعتبر جيفارا وكاسترو ثائرين قاما ضد الظلم، وليسا إرهابيين كما قيل في محاضرتها الأخيرة.  
وهي ترى أن خلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وأن الاعتراف بالآخر والدفاع عن حقه بالوجود الوسيلة الأنجع لبناء مجتمع خال من العقد الفكرية والدينية والإنسانية والحضارية، ولذلك باتت لديها قدرة على معرفة وكشف من يضع فكره الإقصائي بين عسل كلامه عن الوسطية، وباتت بعيدة أيضا عن رؤية قشور الموضوع وإنما أصبحت تغوص في عمقه.
الحديث للطلبة عن الوسطية والاعتدال في الإسلام ونبذ التطرف فكرة رائدة، يتوجب أن تعمم لنذهب باتجاه تدريسها ضمن المنهاج وتعليم أبنائنا تقبل الآخر والتعامل مع سكان المعمورة باعتبارهم بشرا لهم حق إنساني بالحياة، وأنه لا يقف حق الوجود عندنا فقط، وينتهي عندما يصل للآخرين.
لمست عند يارا حيرة ورفضا لبعض ما قيل في محاضرتها الأخيرة، أو بالأحرى لبعض ما دسّ في عسل الكلام، إذ لا يجوز لمحاضر يقول بالوسطية تكفير فريق دون آخر، أو إطلاق أحكام قطعية على مذهب دون آخر، كما لا يجوز أن نبقى ندور في فلك عقدة النقص وأن العالم كله يتآمر علينا، ويريد النيل منا، وأن زلزال اليابان مثلا كان بسبب فجور أهل تلك البلاد، وأن حرائق اسرائيل استعرت بسبب عزم الصهاينة على منع الأذان، فاسرائيل أطفأت حرائقها، وتسير باتجاه منع الأذان، ولم يتغير شيء.
الأصل عندما نتحدث عن التطرف والوسطية في الإسلام أن يكون المتحدث أو المحاضر في الموضوع وسطيا فكريا، وغير متطرف مذهبيا، فلو كان المحاضر -أي محاضر- في الموضوع بخلاف ذلك سيفقد الموضوع أهميته، وسيغرس في عقول جيلنا الناشئ أفكارا هي ذاتها التي جاءت تلك النشاطات اللامنهجية للحد منها، وسينطبق علينا وقتها المثل الشعبي الذي يقول "كأنك يا أبو زيد ما غزيت".
اؤيد النشاطات اللامنهجية للصفوف الثانونية؛ فأولئك الطلبة هم أمل المستقبل، فما سوف نزرعه في عقولهم حاضرا سنقطفه مستقبلا، ولذلك فإن الفكرة لا تكمن فقط في القيام بنشاط تحت عناوين محفزة، وكفى، وإنما يجب أن نوفر لأولئك الطلبة محاضرين على قدر يؤهلهم فكريا وإنسانيا لتدريس الوسطية وتقبل الآخر، وأن لا يتحدثوا لهم عن الوسطية وفي منتصف الطريق يذهبون بهم نحو التشدد الفكري والجمود العقائدي، والتمترس المذهبي، فالحق يحتاج لاثنين الأول ينطق به والثاني يفهمه.

التعليق