موفق ملكاوي

حزن الآخرين

تم نشره في الخميس 8 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

عن كل الخيبات أتحدث؛ عن أحزان غير شخصية مرت بي وأنا أطوّف عالما لم يحتمله سوى قليلين.
عن كل الخيبات أتحدث، تلك التي اختبرها ممتلئون بالحياة، كانوا استنجدوا بالحلم، فتكسّر، واستنجدوا بالوهم فخذلهم، ولم يبق أمامهم سوى أن يستسلموا لأي شيء قد تقذفه الأيام في طريقهم البليدة.
عن العاشق الذي ظل حبه من طرف وحيد، فراقب فتاته ترحل بعيدا مع خاتم وفستان أبيض وعريس.. بينما ظل هو يكتب رسائل سرية لا يبعثها لأحد وينتظر الجواب، حتى بعد أن تلقى دعوتها لحفل زفاف ابنتها.
وعن الرجل الستينيّ الذي دفع القسط الأخير ثمنا لبيته، وبدلا من أن يبدأ رحلة تقاعده السعيدة، استلقى مصابا بالسرطان لينتظر الموت.
وعن المرأة التي انتظرت ابنها أحد عشر عاما، ويوم أن خرج من سجن الأخوة الأعداء، حضنته بكل الحب الذي ادّخرته له، وماتت بعد ساعات قليلة.
وعن البنت الجميلة ذات الجديلة التي تظهر من تحت إشاربها، والتي وجدوا في حقيبتها المدرسية رسالة من فتى يتغزل بعينيها.. فذهبت قربانا على صخرة “شرف العائلة”.
وعن العصافير التي كانت تلوذ بأشجار الحي بحثا عن الزاد والمأمن، ناشرة موسيقاها في الأرجاء، ولكن البؤس لم يكن يترك لها فضاء تطير فيه، لتصبح وجبات غير مشبعة لبطون جوعى.
أتذكر كل الخيبات التي شهدتها، مصابا بعسر النسيان، فكأنما ظلت الوجوه والأحداث معي، من غير أن أعي أنني أؤرشف حزن الجميع، وأحمله معي خبزا لذاكرة انحفرت فيها الأسماء والتواريخ والأحداث.. أينما ذهبتُ.
أتذكر حزن الآخرين.. جميع الآخرين؛ الولد اليتيم الذي كان يبكي بصمت كلما رأى أبا مع ابنه، والولد الفقير الذي أخرجه أبوه من الدراسة ليعمل حدادا، فتثور في نفسه المشاعر في كل صباح وهو يمر من أمام المدرسة، متوجها إلى عمله الذي لا يتقنه، ولا يحتمله جسده النحيل.
والمرأة العجوز التي كانت تصادق الطريق متوكئة على عكاز خشبي معوج، والتي كان الجميع يدعوها بـ”الجدّة”، فيما هي تغرق في حزن صامت، بعد أن وصلت إلى الطرف الآخر من الحياة من غير أن تجرّب الأمومة.
وأتذكر الرجل الأربعيني المسجّى مقتولا فوق العشب، وأطفاله الذين لم يكونوا أفاقوا بعد على حقيقة اليتم يتمرغون بدمه، ويرجونه النهوض ولو لمرة أخيرة.
وأتذكر الشاب الوسيم الذي عدّ على أصابع يديه 30 عاما فقط، لتخطفه “جلطة” غادرة من بين يدي عروسته الجديدة قبل أن يحتفلا بطفلٍ.
أتذكر كل هؤلاء الذين أوروثوني حزنهم ومضوا. لم يطلبوا مني ذلك، فقد كانوا مشغولين بأحزانهم العادية، وترتيب نهاياتهم الآيلة إلى سواد.
لم يطلبوا أن تعيش قصصهم معي، ولكنني أفشل حتى اليوم في أن أقصيها من دمي، بعد أن شرّشت فيه، وباتت خبزي الدائم، والكثير من حروفي.

التعليق